للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

القوس، فأخذه وقطع الغناء، فعاودت الظباء نفرها، ومضت راجعة إلى سننها.

قال بعض أصدقاء مخارق: ركبت معه مرّة في طيارة ليلًا، وهو سكران؛ فلما توسط دجلة، اندفع بأعلى صوته، فما بقي أحد في الطيارة من ملاح، أو غلام، أو خادم إلا بكى من رقة صوته، ورأيت الشمع والسُّرُج من جانبي دجلة في صحون القصور والدور يتسارعون بين يدي أهلها يسمعون غناءه.

قال هبة الله بن إبراهيم بن المهدي: غنّت شارية يومًا بحضرة أبي صوتًا، فأَحَدَّ النظر إليها، وقال لها: امسكي فأمسكت، فقال: عرفت إلى أي شيء ذهبت أردت أن تتشبهي بمخارق في تزايده، وإياك أن تعودي؛ فإن مخارقًا خلقه الله وحده في طبعه وصوته ونفسه يتصرّف في ذلك أجمع حيث يحب، ولا يلحقه أحد. قد أراد غيرك أن يتشبه به في هذا الحال، فهلك وافتضح، ولم يلحقه، فلا أسمعنك تتعرضين لهذا بعد هذا الوقت.

قال مخارق: ودعاني أمير المؤمنين محمد الأمين يومًا، وقد اصطبح، فاقترح علي (١): [من البسيط]

استقبلتْ وَرَقَ الرَّيحان تَقْطَعُهُ … وعنبر الهند والورديَّةَ الجُددا

أَلَسْتَ تعرفني في الحيّ جارية … ولمْ أَخُنْكَ ولم ترفع إليَّ يَدَا

فغنيته إياه فطرب طربًا شديدًا، وشرب عليه ثلاثة أرطال، وأمر لي بألف دينار، وخلع علي جبة وشي كانت عليه مذهبة، ودراعة مثلها، وعمامة مثلها، فما لبست ذلك وراءه على ندم، وكان كثيرًا ما يفعل ذلك، فقال لبعض الخدم: قل للطباخ يأتينا بمصلية معقودة الساعة، فأتينا بها، فقال: كُل معي، فامتنعت لما أعرفه من كراهيته، فحلف أن آكل معه، فحين أدخلت يدي الغضارة رفع يده، وقال: إني بغضتها والله وقدرها إدخالك يدك معي فيها، ثم رفس القصعة رفسة فإذا هي في حجري وودكها يسيل على الخلعة حتى نفذ إلى جلدي، فقمت مبادرًا، فنزعتها، وبعثت بها إلى منزلي، وغيرت ثيابي، وأنا مغموم بها. وهو يضحك؛ فلما رجعت إلى منزلي، جمعت كل صانع حاذق، فجهدوا في إخراج ذلك الأثر منها، فلم يخرج، ولم أنتفع بها حتى أحرقتها، وأخذت ذهبها وضرب الدهر ضربه، ثم دعاني أمير المؤمنين المأمون يومًا، فدخلت عليه وهو جالس وبين يديه مائدة عليها رغيفين ودجاجتين، فقال لي: تعال فكل، فامتنعت فقال لي: تعال ويلك، فساعدني، فجلست، وأكلت معه حتى فرغ ووضع النبيذ، ودعا علوية، فجلس وقال: يا مخارق أتغني (٢): [من الطويل]


(١) الأغاني ١٨/ ٣٧٢.
(٢) للأحوص الأنصاري في ديوانه ١٠٠، الأغاني ١٨/ ٧٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>