للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أَقولُ التماس العُذْرِ لمَّا ظَلَمتِنِي … وحمَّلتِنِي ذنبًا وما كنتُ مذنبا

هَبِيْنِي امرًا إما بريئًا ظَلَمْتِهِ … وإِمَّا مُسِيئًا قَدْ أَنَابَ وَأَعْتَبا؟

فقلت: نعم يا سيدي، قال: غنّه، فغنيته فعبس في وجهي، وقال: قبحك الله، أهكذا تغني هذا، ثم أقبل على علوية، فقال: أتغنيه؟ قال: نعم يا سيدي، قال: غنّه فغناه فوالله ما قاربني فيه، فقال: أحسنت والله وشرب رطلًا، واستعاده ثلاثًا، ثم شرب عليه ثلاثة أرطال، وأعطاه كل مرة يعيده عشرة آلاف درهم، ثم حذف بإصبعه وقال: برق يمان، وكان إذا أراد قطع الشراب فعل ذلك، وقمنا، فعلمت من أين أتيت؛ ولما كان بعد أيام عادني، فدخلت وهو جالس في ذلك الموضع يأكل، فقال لي: تعال يا مخارق، فقلت: لا والله يا سيدي ما أقدر على ذلك، فقال: تعال ويلك، أتراني على الطعام؟، فقلت: لا، ولكني أردت أن أؤدبك أن السادة لا ينبغي لعبيدها أن تواكلها.

أفهمت؟ قلت: نعم، قال: فتعال الآن، وكُل على الأمان، فقلت: إذن أكون أول من أضاع تأديبك إياي، واستحق العقوبة من قريب، فضحك حتى استغرق، وأمر لي بألف دينار، فمضيت إلى حجرتي المرسومة في الخدمة، وأتيت بطعام، فأكلت، ووضع النبيذ، فدعاني، ودعا علوية؛ فلما جلسنا قال له: يا علوية أتغني؟ (١): [من البسيط]

أَلَمْ تَقُولِي: نَعَمْ قالتْ: أَرَى وَهَمًا مِنِّي … وهَلْ يُؤخَذُ الإنسانُ بالوَهَمِ

فقال: نعم يا سيدي. قال: هاته، فغنّاه، فعبس في وجهه، وبسر، ثم أقبل علي، وقال: أتغنيه يا مخارق؟، فقلت: نعم يا سيدي، وعلمت أنه أراد أن يستفيد من علوية، ويرفع مني؛ وإلا فما أتى به علوية لا يعاب به فغنيته، فطرب، وشرب، وأمر لي بعشرة آلاف درهم، وفعل بي ذلك ثلاث دفعات كما فعل به، ثم أمر بالانصراف، فانصرفنا، وما عاودت بعد ذلك مواكلة خليفة إلى وقتنا هذا.

قال: حج رجل مع مخارق؛ فلما قضيا الحج، وعاد قال الرجل: بحقي عليك غنني صوتًا فغنّى: [من الطويل]

رَحَلْنا فَشَرَّقْنا ورَاحُوا فَغَرَّبُوا … وفاضَتْ لَرَوْعاتِ الفِراقِ عُيُونُ

فرفع الرجل يده إلى السماء، وقال: اللهم إني أشهدك أني قد وهبت حجتي له.

وتوفي مخارق في أول خلافة المتوكل، وقيل: بل في آخر خلافة الواثق.

وذكر ابن خرداذبة: أنه كان أكل قرنبيطة باردة، فقتلته من يومه.

ومنهم:


(١) الأغاني ١٨/ ٣٧٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>