للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال أبو الفرج في كتاب الإماء (١): كانت مولدة شاعرة، مغنية، متقدمة في الحالين على طبقتها، وكانت حسنة الوجه والغناء، أهداها عبد الله بن طاهر للمتوكل في جملة أربعمائة فيهن قيان وسواذج، فتقدمتهن جميعًا عنده؛ ولما قتل، صارت إلى وصيف، فلزمت النُّسْك حزنًا ووفاءً للمتوكل حتى أراد وصيف قتلها، فاستوهبها منه بغا، فأعطاه إياها، فأعتقها، وقال: أقيمي حيث شئت، فانحدرت عن سر من رأى إلى بغداد، وأخملت نفسها إلى أن ماتت.

قال: وحدثني جعفر بن قدامة عن علي بن الجهم، قال: كنت يومًا بحضرة المتوكل، وهو يشرب، ونحن بين يديه، إذ دفع إلى محبوبة تفاحة مُغلّفة بغالية، فقبلتها، وانصرفت عن حضرته إلى مجلسها، ثم خرجت جارية لها، ومعها رقعة، فدفعتها إلى المتوكل، فقرأها، وضحك ضحكًا شديدًا، ثم رمى بالرقعة إلينا فإذا فيها (٢): [من المنسرح]

يا طيبَ تُفَّاحَةٍ خَلَوتُ بِها … تُشْعِلُ نارَ الهَوَى على كَبِدِي

أبكي إليها وأشتكي دَنَفِي … وما أُلاقِي مِنْ شِدَّةِ الكَمَدِ

لوْ أَنَّ تُفَاحَةً بكت لبكتْ … مِنْ رَحْمَةٍ هذه التي بيدي

إنْ كُنْتِ لا تعلمين ما لقيت … نفسِي فَمِصدَاقُ ذاكَ في جَسَدِي

وإِنْ تَأَمَّلْتِهِ عَلِمْتِ بأَنْ … ليسَ لِخَلْقٍ عَليهِ مِنْ جَلَدِ

قال: فما والله أحد إلا استظرفها، واستملح الأبيات، وتقدم المتوكل إلى عريب وسارية أن يصنعا في الأبيات لحنًا، فصنعتا لحنين وغنتا بهما.

وحدثني جعفر بن قدامة، قال: حدثني علي بن يحيى المنجم؛ قال: قال المتوكل لابن الجهم - وكان يأنس به ولا يكتمه شيئًا -: يا علي إني دخلت على قبيحة الساعة، فوجدتها قد كتبت اسمي على بياض ذلك الخدّ فقل في هذا أشياء، وكانت محبوبة جالسة من وراء الستارة تسمع، فسبقت عليًا على البديهة وقالت (٣): [من الطويل]

وكاتبة بالمسك في الخَدِّ جعفرا … بنفسي محط المِسْكِ مِنْ حَيثُ أَنَّرَا

لئن كتبت في الخدّ سَطْرًا بكَفِّها … لقد كتبت بالقلب في الحبِّ أَسْطُرا

فيامن للملوك ملك يمينِهِ … مُطِيعٌ له فيما أَسَرَّ وأَظْهَرا


(١) الإماء الشواعر ١٥٩.
(٢) الإماء ١٦٠.
(٣) لمحبوبة في الإماء ١٦١، الأغاني ٢٢/ ٢٠٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>