ويأمنُ مِنْها في المنيةِ جعفر … سقى اللهُ عهدًا من ثناياك جعفرا
وأنشدتها للمتوكل، فبقي علي بن الجهم واجمًا لا ينطق بحرف، وغنت عريب بهذه الأبيات.
وحدثني جعفر، قال: حدثني علي بن يحيى أن جواري المتوكل تفرقن بعد قتله، فصار لوصيف عدة فيهن محبوبة، فأصبح يومًا، وأمر بإحضار الجارية والجواري فأحضرن وعليهن أصناف الثياب والحلي، متزينات متعطرات، سوى محبوبة؛ فإنها جاءت شعثاء متسلبة عليها ثياب بيض فغنين، وطربن، وشرب وصيف وطرب، ثم قال المحبوبة: غنّي، فغنت على العود (١): [من مجزوء الخفيف]
أَيُّ عَيْش يطيب لي … لا أرى فيه جعفرا
مَلِكًا قَدْ رَأَتْهُ عيـ … ني صَرِيعًا مُعَفَّرَا
كل من كان ذا سا … م وحُزْنٍ قَدْ بَرا
غير محبوبة التي … لَوْ تَرَى المَوْتَ يُشْتَرَى
لاشترته بما حَوَتْ … ـهُ جَمِيعًا لتُقْبَرَا
فاشتد ذلك على وصيف، وهم بقتلها، فاستوهبها منه بغا، فأعتقها وأطلقها حيث أحبت، فلم تزل متسلّبة حتى ماتت.
وحدثني جعفر قال: قال علي بن يحيى المنجم: غاضب المتوكل محبوبة، فاشتد عليه بعدها، ثم حسه يومًا، فحدّثني أنه رأى في النوم أنها صالحته ودعا له بخادم فقال له: اذهب، فاعرف لي خبرها، فمضى، وعاد، فأعلمه أنها جالسة تغني، فقال: ما ترى إلى هذه؟ أنا غضبان عليها وهي تغني، ثم قال: قم معي حتى نسمع ما تغني به، فقمنا حتى انتهينا إلى حجرتها، فإذا هي تغني (٢): [من المنسرح]
أدورُ في القصر لا أرى أحدًا … أَشكُو إليه ما يُكَلِّمُنِي
حتى كأني أتيتُ مَعْصِيةً … ليست لها تَوْبَةٌ تُخَلِّصُنِي
فَهَلْ لنا شافِعٌ إلى ملِكِ … قد زارني في الكَرَى فَصَالَحَنِي
حتَّى إذا ما الصباح لاحَ لنا … عاد إلى الهجرِ فَصَارَمَنِي
قال: وطرب المتوكل، فأحست به، فخرجت إليه، وخرجنا نتبادر، فأعلمته أنها رأته في النوم قد صالحها، وأنها صالحته في النوم، وقد صنعت تلك الأبيات، وغنت
(١) لمحبوبة في الإماء ١٦١ - ١٦٢، الأغاني ٢٢/ ٢٠٤ - ٢٠٥.
(٢) لمحبوبة في الإماء ١٦٢، الأغاني ٢٢/ ٢٠٦.