للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الحديث، فوجد عنده ما أحبّ، فأعجب به، ونظر الناس إليهما، فقالوا: هذا القاضي قد أقبل على المغني، وأبو يوسف لا يدري أنه ابن جامع، فقال أصحابه: لو أخبرناه عنه، ثم قالوا: لا لعله لا يعود إلى مرافقه بعد اليوم، فلم نغمه، فلما كان في الإذن الثاني ليحيى غدا عليه الناس، وغدا عليه أبو يوسف، فنظر ابن جامع، فلما رآه ذهب، فوقف إلى جانبه، فحادثه كما فعل؛ فلما انصرف قال له - بعض أصحابه: أيها القاضي تعرف هذا الذي ترافقه وتحادثه؟، قال: نعم، رجل من قريش من أهل مكة من الفقهاء، قالوا: هذا ابن جامع المغني، قال: إنا لله، قالوا: إنَّ الناس قد شهدوا مرافقته، فأنكروا ذلك من فعلك؛ فلما كان الإذن الثالث جاء أبو يوسف، ونظر إليه فتنكبه، وعرف ابن جامع أنه قد أنذر، فجاء حتى وقف وسلّم عليه، فرد أبو يوسف بغير ذلك الوجه الذي كان يلقاه، ثم انحرف عنه، فدنا منه ابن جامع، وعرف الناس القصة، وكان ابن جامع جهيرًا، فرفع صوته، ثم قال: يا أبا يوسف ما لك تعرض عني؟ أي شيء أنكرت؟ قالوا لك ابن جامع المغني فكرهت مرافقتي، أسألك عن مسألة، فاصنع ما شئت. وأقبل الناس نحوهما مستمعين، فقال: يا أبا يوسف، لو أن أعرابيًا جلفًا وقف بين يديك، فأنشدك بجفاء وغلظة من لسانه، فقال وحكى الأعرابي (١): [من البسيط]

يا دارَ مَيَّةَ بِالعَلياءِ فالسَّنَدِ … أَقْوَتْ وَطالَ عَلَيها سالِفُ الأَبَدِ

أكنت ترى بذلك بأسًا؟ قال: لا، وقد روي عن رسول الله في سماع الشعر، وقد روى عنه الحديث. قال ابن جامع: فإن قلت هكذا، ثم اندفع يغني فيه حتى أتى عليه، ثم قال: يا أبا يوسف رأيتني زدت فيه أم نقصت؟، قال: عافاك الله، إعفنا من هذا، قال: يا أبا يوسف، أنت صاحب فتيا، هل زدته، أم حسنته بألفاظي، فحسن في السمع، ووصل إلى القلب؟ ثم تنحى عنه ابن جامع.

قال: دعا الرشيد يومًا جعفر بن يحيى، وابن جامع عنده، فلم يزل يغنيهما يومهما، ثم انصرف؛ فلما كان من الغد دخل إبراهيم الموصلي على جعفر بن يحيى، فسأله عن يومه، فقال له: إنه لم يزل ابن جامع يغنينا إلا أنه كان يخرج عن الإيقاع؛ وهو في قوله هذا يريد أن يطيب نفس إبراهيم، قال؛ فقال إبراهيم: أنت تريد أن تطيب نفسي بما لا تطيب إلا بالله. ما ضرط ابن جامع منذ ثلاثين سنة إلا بالإيقاع، فكيف يخرج عن الإيقاع في الغناء؟!


(١) البيت للنابغة الذبياني في ديوانه ٧٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>