كان ابن جامع برًا بوالدته، وكانت مقيمة بمكة، فدعاه إبراهيم بن المهدي، فأظهر كتابًا إلى أمير المؤمنين في نعي والدته، فجزع لذلك جزعًا شديدًا، وجعل يعزيه جميع من حضر، وجاءوا بالطعام، فلم يتركوه حتى أكل وشرب، وسألوه الغناء، فامتنع، فقال له إبراهيم: إنك ستبذل هذا لأمير المؤمنين، فابذله لإخوانك، واندفع يغني (١): [من البسيط]
كم بالدُّروب وأرض الشامِ مِنْ قدم … ومن مصارع قوم ما هُمُ قُبِرُوا
وجعل إبراهيم يستزيده حتى صلح له، ثم قال: لا والله ما كان مما أخبرناك شيئًا، فإنما مزحنا معك، فطابت نفسه، ثم قال له إبراهيم: ردّ عليه الصوت فغناه فلم يكن من الغناء الأول في شيء، فقال إبراهيم: خذه الآن علي، فأداه إبراهيم على السماع، فقال له ابن الجامع: أحبّ أن تطرحه أنت علي كذلك.
(١) الشعر ليزيد بن مُفَرَّغ الحميري، انظر: شعره ٧٩ - ٨١، الأغاني ٦/ ٣٢٠. وهو يزيد بن زياد بن ربيعة الملقب بمفرغ الحميري، أبو عثمان: شاعر غزل، هو الذي وضع «سيرة تبع وأشعاره» كان من أهل تبالة (قرية بالحجاز مما يلي اليمن) واستقر بالبصرة. وكان هجاء مقذعًا، وله مديح. ونظمه سائر. وهو صاحب البيت الشائع، من قصيدة أوردها المرصفي: «العبد بقرع بالعصا … والحر تكفيه الملامه» وفد على «مروان بن الحكم» فأكرمه. وصحب عباد بن زياد ابن أبيه، فأخذه معه إلى سجستان، وقد ولي عباد إمارتها، فأقام عنده زمنًا. ولم يظفر بخيره، فهجاه. وسجنه عباد، مدة، ثم رق له وأخرجه، فأتى البصرة. وانتقل إلى الشام. وجعل ينتقل، ويهجو عبادًا وأباه وأهله؛ فقبض عليه عبيد الله بن زياد (في البصرة) وحبسه، وأراد أن يقتله، فلم يأذن له معاوية، وقال: أدبه. فقيل: إنه أمر به، فسقي مسهلا، وأركب حمارًا، وطيف به في أسواق البصرة، واتسخ ثوبه من المسهل، فقال: «يغسل الماء ما صنعت، وشعري راسخ منك في العظام البوالي!» وقيل: كان ابن مفرغ يكتب هجاءه لعباد على الجدران، فلما ظفر به عبيد الله ألزمه محوه بأظفاره. وطال سجنه، فكلم فيه بعض الناس معاوية، فوجه بريدًا إلى البصرة بإخراجه، فأطلق. وسكن الكوفة إلى أن مات سنة ٦٩ هـ/ ٦٨٨ م. وأخباره كثيرة. وورد اسمه في كثير من المصادر «يزيد بن ربيعة» وفي بعضها يزيد بن مفرغ واخترت ما ابتدأ به ابن خلكان ترجمته. ولداود سلوم «شعر يزيد بن مفرغ الحميري - ط». ترجمته في: الأغاني ٦/ ٣٢٦، خزانة البغدادي ٢/ ٢١٢ - ٢١٦، والوفيات ٢/ ٢٨٩، وإرشاد الأريب ٧/ ٢٩٧، والشعر والشعراء ٣١٩ - ٣٢٤ والجمحي ٥٥١، ٥٥٤ - ٥٥٧ وسير أعلام النبلاء ٣/ ٥٢٢ - ٥٢٣ رقم ١٢٩، والعيني ١/ ٤٤٢ ومنتخبات في أخبار اليمن ٨٢ والتاج ٦/ ٢٦ والأغاني ١٧/ ٥١ - ٧٣ ورغبة الأمل ٢/ ٧٠ و ٤/ ٩٣، ١٦٣ وشرح نهج البلاغة، طبعة بيروت ١/ ٣٨٥ وأمالي الزجاجي ٢٩ الأعلام ٨/ ١٨٣ معجم الشعراء للجبوري ٦/ ١٤٩.