قال ابن جامع: ضمني الدهر ضمًا شديدًا بمكة، فانتقلت عنها بعيالي إلى المدينة، فأصبحت يومًا ولا أملك إلا ثلاثة دراهم، فهي في كمي إذ أنا بجارية حميراء على رقبتها جرّة تريد الركي تستقي، وهي ترنّم بصوت شجي (١): [من الطويل]
شكونا إلى أحبابنا طول ليلنا … فقالوا لنا ما أقصر الليل عندنا
وذاك بأنَّ النومَ يَغْشَى عيونَهُمْ … سراعًا ولا يَغْشَى لنا النوم أَعْيُنا
إذا ما دَنا الليلُ المضر بذِي الهَوَى … جزعنا وهم يستبشرونَ إذا دَنَا
فلو أنَّهم كانوا يلاقون مثل ما … تلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا
قال: فأخذ الغناء بقلبي، ولم يُدر لي منه حرف، فقلت: يا جارية ما أدري أوجهك أحسن أم غناؤك؟ فلو شئت أعدت قالت: حبًّا وكرامة ثم اندفعت فغنته، فوالله ما دار لي منه حرف فقلت أحسنت فلو تفضلت فأعدتيه مرة أخرى، فقطبت وكلحت، وقالت: ما أعجب أحدكم لا يزال يجيء إلى الجارية عليها الضريبة فيشغلها فضربت يدي إلى الثلاثة دراهم، فدفعتها إليها، وقلت لها: أقيمي بها وجهك اليوم إلى أن نلتقي، فأخذتها كالكارهة وقالت: أنت الآن تريد أن تأخذ مني صوتًا أحسبك ستأخذ عليه ألف دينار، وألف دينار، قال: واندفعت تغني فأعملت فكري في غنائها حتى بان لي الصوت، وانصرفت مسرورًا إلى منزلي أردده حتى خفَّ على لساني، ثم إني لما خرجت أريد بغداد، دخلتها، فنزل بي المكاري على باب المحول، ولا أدري أين أتوجه، ولا من أقصد، فما زلت أمشي مع الناس حتى أتيت الجسر، فعبرت، ثم انتهيت إلى الشارع بالميدان، فرأيت مسجدًا بالقرب من دار الفضل بن الربيع مرتفعًا، فقلت: مسجد قوم سراة فدخلته، وحضرت صلاة المغرب، فصليت، وأقمت مكاني حتى صليت العشاء الآخرة على جوع وتعب، وانصرف أهل المسجد، وبقي رجل يصلي خلفه جماعة من الخدم، وفحول ينتظرون فراغه، فصلى مليًا، ثم التفت إلي، فقال لي: أحسبك غريبًا، فقلت: أجل، فقال: متى كنت في هذه المدينة؟، فقلت: آنفًا، وليس لي بها منزل ولا، معرفة، وليست صناعتي، من الصنائع المذكورة لأهل الخير، قال: وما صناعتك؟ قلت: الغناء، فوثب مبادرًا، فدخل، ووكل بي بعض من معه، فسألت الموكل بي فقال: هذا سلام الأبرش. قال: فانتهى إلى قصر من قصور الخليفة، وجاز بي من مقصورة إلى مقصورة حتى أدخلني إلى مقصورة في آخر الدهليز ودعا بطعام فأتيت بمائدة عليها طعام من طعام الملوك، فأكلت حتى امتلأت. فإني