للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال أبو الفرج: كانت حلو الوجه، ضاربة متقدمة. وابتاعها جعفر بن موسى الهادي وأخذها منه محمد الأمين، وكانت قد وصفت له، فبعث إلى جعفر يسأله أن يريه إياها، فأبى فزاره إلى منزله فسمع شيئًا لم يسمع مثله، فقال لجعفر: بعني يا أخي هذه الجارية، فقال: يا سيدي مثلي لا يبيع جارية، فقال: هبها لي، فقال: هي مدبرة، فاحتال محمد حتى أسكره، وأمر ببذل فحملت معه على الحراقة، وانصرف بها؛ فلما انتبه جعفر سأل عنها، فأخبر بخبرها، فسكت، فبعث إليه محمد من الغد، فجاءه وبذل جالسة، فلم يقل شيئًا، فلما أراد جعفر الانصراف، قال: أوقروا حراقة ابن عمي دراهم، فكان مبلغ ذلك عشرين ألف ألف درهم. قال: وبقيت بذلك في دار محمد إلى أن قتل.

ثم خرجت، وكان ولد محمد يدعون ولاءها، فلما ماتت، ورثها ولد عبد الله ابن محمد الأمين.

وقيل: كان محمد الأمين قد وهب لها من الجواهر شيئًا لم يكن يملك أحد مثله، فسلم لها، فكانت تخرج منه الشيء، فتبيعه بالمال العظيم إلا أن ماتت.

وكان إبراهيم بن المهدي يعظمها ويتوافى لها، ثم تغير بعد ذلك استغنى بنفسه عنها، فعلمت ذلك، وصارت إليه ودعت بعود، وغنت في طريقة واحدة وإيقاع واحد مائة صوت لم يعرف إبراهيم منها واحدًا، ووضعت العود، وانصرفت، فلم تدخل داره حتى طال طلبه لها، وتضرعه إليها في الرجوع إليه.

قال أحمد بن شعيب المكي: خالف بذل إسحاق في صوت غنته بحضرة المأمون، فأمسكت عنه ساعةً، ثم غنت ثلاثة أصوات في الثقيل الثاني واحدًا بعد واحد، وسألت إسحاق عن صانعها، فلم يعرفه فقالت للمأمون: هي والله يا أمير المؤمنين لأبيه أخذتها من فيه فإذا كان لا يعرف غناء أبيه فكيف يعرف غناء غيره فاشتد ذلك على إسحاق حتى بان فيه.

قال: وذكر أن المأمون كان قاعدًا يومًا يشرب، ومعه قدح إذ غنت بذل (١): [من الطويل]

أَلا لا أَرَى شيئًا أَلَنَّ مِنَ الوَعْدِ … ومِنْ أَمَلِي فِيهِ وَإِنْ كَانَ لا يُجْدِي

فجعلته:

ألا لا أرى شيئًا أَلذَّ مِنَ السَّحْقِ


(١) الأغاني ١٧/ ٨٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>