عَرَفْتُ ديار الحي خاليةً قَفْرَى … كأَنَّ بها لما توههمتُها سَطْرا
فلما سمعه من في القباب والمحامل أمسكوا وصاح صائح: ويحك، أعد الصوت، فقال: لا والله إلا بالفرس الأدهم بسرجه ولجامه وأربعمائة دينار، وإذا الوليد بن يزيد - صاحب العسكر - فنودي: أين منزلك؟ ومن أين أنت؟ قال: أنا الأبجر ومنزلي على رأس زقاق الحرازين، فغدا إليه رسول الوليد بذلك الفرس، وأربعمائة دينار، وتخت من ثياب وشي، وغير ذلك، ثم أتي به الوليد فأقام عنده، وراح مع أصحابه عشية التروية، وهو أحسنهم هيأة، وخرج معه إلى الشام.
قال عمر بن حفص بن كلاب: كان الأبجر مولانا، وكان إذا قدم المدينة نزل علينا، فقال لنا يومًا: أسمعوني غناء ابن عائشتكم هذا، فأرسلنا إليه، فجمعنا بينهما في بيت ابن هفان، فغنّى ابن عائشة، فقال الأبجر: كل مملوك لي حرّ إن غنيت معك إلا بنصف صوته، ثم أدخل إصبعه في شدقة، ثم غنّى، فسمع صوته من في السوق، فحشر الناس علينا، فلم يفترقا حتى تشاتما، وقال: كان ابن عائشة حديدًا جاهلًا.
قال إبراهيم بن المهدي؛ حدثني ابن شعيب عن أبيه، قال: دعا الوليد بن يزيد ذات يوم المغنين، وكنت نازلًا معهم، فقلتُ للرسول: خُذني معهم، فقال: لم أؤمر بذلك، وإنما أمرت بإحضار المغنين، وأنت بطال لا تدخل فيهم، قلت له: والله أنا أحسن غناءً منهم، ثم اندفعت فغنيت فقال: لقد سمعتُ حسنًا، ولكني أخاف، فقلت: لا خوف عليك ولك مع هذا شرط، قال: وما هو؟، قلت: كل ما أصبته فلك شطره، فقال للجماعة: اشهدوا عليه فشهدوا، ومضينا فدخلنا على الوليد، وهو خائر النفس فغنّاه المغنون في كل فنّ من ثقيل وخفيف، فلم يتحرك ولا نشط، فقام الأبجر إلى الخلاء وكان خبيثًا واهيًا، فسأل الخادم عن خبره، وبأي شيء هو خائر النفس؟، فقال: بينه وبين امرأته كلام؛ لأنه عشق أختها. فغضبت عليه، وهو إلى أختها أميل، وقد عزم على طلاقها، وحلف لها لا يذكرها بمراسلة، ولا مخاطبة، وخرج على هذا الحال من عندها. وعاد الأبجر إلينا فما استقر به مجلسه حتى اندفع يغني (١): [من الطويل]
فبيني فإني لا أبالي وأيقني … تصاعد باقي حُبِّكُمْ أَمْ تَصوبا