للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ويجري الدموع.

قال أبو الفرج، قال علي بن يحيى المنجم؛ حدثني محمد بن الحارث بن يُسْخُنَّر، قال: كانت لي في خدمة الواثق في كل جمعة نوبة، إذا حضرت ركبت إلى الدار، فإن نشط للشرب/ ٣٥/ أقمت عنده، وإن لم ينشط انصرفت، وكان رسمنا لا يحضر أحد منا إلا في يوم نوبته. فإني لفي منزلي في غير يوم نوبتي، إذ أرسل الواثق قد هجموا علي، وقالوا لي: احضر، قلت: لخير؟، قالوا: خيرًا إن شاء الله، فقلت: إن هذا يوم لم يحضرني فيه أمير المؤمنين قط ولعلكم غلطتم، قالوا: الله المستعان، لا تطوّل، وبادر فقد أمرنا أمير المؤمنين أن لا ندعك تستقر على الأرض، فدخلني فزع عظيم، وخفت أن يكون ساع سعى علي، أو بلية قد حدثت في رأي الخليفة في، فتقدمت لما أردت حتى وافيت الدار، فذهبت لأدخل من حيث كنت أدخل، فمنعت وأخذ بيدي الخادم، فعدلوا بي إلى ممرات لا أعرفها، فزاد ذلك من جزعي، ثم لم يزل يسلموني من خدم إلى خدم حتى أفضيت إلى دار مفروشة الصحن، ملبسة الحيطان بالوشي المنسوج بالذهب، ثم أفضيت إلى رواق أرضه وحيطانه كذلك، ثم نظرت فإذا الواثق في صدره على سرير مرصع بالجواهر، وعليه ثياب منسوجة بالذهب، وإلى جانبه فريدة جاريته عليها مثل ثيابه، وفي حجرها عود؛ فلما رآني، قال: جودت والله يا محمد. إلينا إلينا، فقبلت الأرض وقلت: خيرًا يا أمير المؤمنين؟، قال: خيرًا ما ترانا طلبت والله ثالثًا يؤنسنا، فلم أرد أحق بذلك منك بحياتي بادر، وكُل شيئًا، وعجل إلينا، فقلت: قد والله يا سيدي أكلت وشربت آنفًا، فقال: فاجلس، فجلست، وقال: هاتوا لمحمد رطلًا في قدح، فاندفعت وفريدة تغني (١): [من الطويل]

أهابك إجلالًا وما بِكِ قُدْرَةٌ عليَّ … ولكن ملء عين حبيبها

وما هجرتكِ النَّفْسُ إِنَّكِ عندها قليل … ولكنْ قَلَّ مِنْكِ نَصيبها

فجاءت والله بالسحر الحلال، ثم إنَّ الواثق جعل يحادثها في خلال ذلك، وتُغني الصوت بعد الصوت، وأغني أنا أيضًا في خلال غنائها، فمر لنا يوم حسن ما مر لأحد مثله. فإنا لكذلك إذ رفع رجله، فضرب بها صدر فريدة ضربة فدحرجه من السرير إلى الأرض، وتفتت عودها، ومرت تصيح وبقيت كالمنزوع الروح لم أشك في أن عينه وقعت علي وقد نظرت إلى الأرض، وأطرقت أتوقع ضرب العنق، فإنا كذلك إذ قال: يا محمد فوثبت قائمًا، فقال: ويحك أرأيت ما أتفق علينا؟، قلت: يا سيدي الساعة


(١) ديوان نصيب بن رباح ٦٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>