للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تخرج روحي فقل لي: من أصابنا بالعين لعنه الله وما كان السبب؟ قال: لا والله ولكني فكرت في أن جعفرًا كان يقعد هذا المقعد ويقعد معه كما هي قاعدة معي فلم أطق الصبر وخامرني ما أخرجني إلى ما رأيت فسري عني، وقلت: بل يقتل جعفر ويحيا أمير المؤمنين أبدًا، وقبلت الأرض وقلت: الله الله يا أمير المؤمنين ارحمها، فأمر بردها، فقال لبعض الخدم الوقوف مرحى بها، فلم يكن بأسرع من أن أقبلت وفي يدها عودها، وعليها غير الثياب التي كانت عليها؛ فلما رآها جذبها إليه، وعانقها فبكت، وجعل يبكي واندفعت أنا في البكاء، وقالت: ما ذنبي يا مولاي؟، وبأي شيء استوجبت هذا؟ فأعاد عليها ما قاله لي وهو يبكي فقالت: سألتك الله يا أمير المؤمنين إلا ضربت عنقي، وأرحتني من الفكر في هذا، وأرحت نفسك من الهم في هذا، وجعلت تبكي ويبكي، ثم مسحا أعينهما، ورجعت إلى لغناء، وأومأ إلي خدم، فمضوا وأحضروا أكياسًا فيها عينٌ ووَرِقٌ ورزم فيها ثياب كثيرة، وجاء خادم بدرج ففتحه، فأخرج منه عقدًا ما رأيت مثله قط، وألبسها إياه، وأحضرت بدرة فيها عشرة آلاف درهم، فوضعت بين يدي، وخمسة تخوت ثياب، وعدنا إلى أمرنا، وإلى أحسن ما كنا فيه، فلم نزل كذلك إلى الليل ثم تفرقنا، وضرب الدهر مَنْ ضَرَبَهُ، وتقلد المتوكل الخلافة، فوالله إني لفي منزلي في غير يوم نوبتي، إذ هجم علي رسل الخليفة، فما أمهلوني حتى ركبت، وصرت إلى الدار، فأدخلت والله الحجرة بعينها، وإذا المتوكل في الموضع الذي كان فيه الواثق بعينه، وعلى ذلك السرير وإلى جانبه فريدة؛ فلما رآني قال: ويحك ما ترى ما نحن فيه من هذه؟ أنا من غدوة أطلبها أن تغني، فتأبى ذلك، فقلت: سبحان الله تخالفين سيدك وسيد البشر. بحياته غنّي فضربت والله العظيم، واندفعت تغني (١): [من الوافر]

مُقِيمٌ في ضَريحٍ لا يُرجَّى … إِيابٌ مِنهُ إِلاَّ في المعادِ

فَلا تَبْعَدْ فَكُلُّ فَتَىً سَيَأْتي … عَلَيهِ المَوتُ يَطْرُقُ أَوْ يُغَادِي

ثم رمت بالعود إلى الأرض، ورمت نفسها عن السرير، وقامت تعدو، وهي تصرخ واسيداه، فقال: ويحك ما هذا؟ فقلت: ما أدري، قال: ويحك ما ترى؟، فقلت: أرى والله يا سيدي/ ٣٧/ أن أنصرف أنا، وتحضر هذه ومعها عودها، ويحضر غيرها من الجواري، فإنَّ الأمر يؤول إلى ما يحب أمير المؤمنين، قال: فانصرف في حفظ الله، فانصرفت، ولم أدر ما كانت القصة بعد ذلك.


(١) ديوان كثير عزة ١٣٨ - ١٣٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>