قال أبو الفرج الأصفهاني؛ قال إسحاق: كان معبد يقول: لقد صنعت ألحانًا لا يقدر أن يغنيها شبعان، ولا يقدر سقاء يحمل القربة على الترنم بها حتى يقعد مستوفرًا، ولا القاعد حتى يقوم.
قال إسحاق؛ قيل لمعبد: كيف تصنع إذا أردت أن تصوغ الغناء، قال: أرتحل قَعُودي، وأوقع بالقضيب على رحلي، وأترنّم عليه بالشعر حتى يتبين لي الصوت. فقال له: ما أبين هذا في غنائك.
قال ابن الكلبي: قدم ابن سريج والغريض المدينة يتعرضان لمعروف أهلها؛ فلما شارفاها، تقدما ثقلهما، ليرتادا منزلًا حتى إذا كانا بالعسيلة، وهي جبانة على طرف المدينة يغسل فيها الثياب، وإذا هما بغلام ملتحف بإزار، وطرفة على رأسه، وبيده حبالة يتصيد بها الطير، وهو يغني هذا الصوت (١): [من البسيط]
القَصْرُ فالنَّخلُ فالجمَّاءُ بينهما … أشهى إلى القلبِ مِنْ أبوابِ جَيرُونِ
فإذا الغلام معبد؛ فلما سمعاه، مالا إليه، فاستعاداه منه فسمعا شيئًا لم يسمعا مثله قط، فأقبل أحدهما على الآخر، فقال: هل سمعت مثل هذا قط، قال: لا والله، قال: فما رأيك؟، قال ابن سريج: هذا غناء غلام يتصيد الطير، فكيف بمن في الحومة يُغني المدينة؟ أما أنا فثكلت والدته إن لم يرجع مكرًا راجعين.
قال إسحاق: أخبرت عن معبد أنه كان بعث إلي بعض أمراء مكة بالشخوص إليه، فشخصت قال: فتقدمت غلامي في بعض الطريق واشتد علي الحر والعطش، فانتهيت إلى خباء، وفيه غلام أسود، وإذا حباب ماء قد بردت، فملت إليه، وقلت: يا هذا اسقني من الماء شربة، قال: لا، قلت: تأذن لي في أن أكن ساعة، فأنخت ناقتي، ولجأت إلى ظلها، واستترت به، وقلت: لو أخذت لهذا الأمير شيئًا أقدم عليه، ولعلي أيضًا إن حركت لساني أن يبتل حلقي بريقي، فيخف عنّي بعض ما أجده من العطش، فترنمت صوتي:
(١) الشعر لأبي قطيفة المعيطي في الأغاني ١/ ١٣، وهو عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط، الأموي القرشي: شاعر، رقيق الشعر، جليَّ المعاني. كان يقيم في المدينة. ونفاه عبد الله بن الزبير إلى الشام مع من نفاهم من بني أمية، فأقام زمنًا في دمشق أكثر فيه الحنين إلى المدينة، حتى رق له ابن الزبير فأذن برجوعه، فبينما هو عائد أدركه الموت قبل أن يبلغ المدينة نحو سنة ٧٠ هـ/ نحو ٦٩٠ م. وفي الأغاني عدة أصوات من شعره. ترجمته في: الأغاني ١/ ١٥ - ٤٢ وانظر فهرسته والمرزباني ٢٤٠، الأعلام ٥/ ٨٧، معجم الشعراء للجبوري ٤/ ١٠٥.