القصر فالنخلُ فالجماءُ بينهما … أشهى إلى القلب من أبواب جَيْرُون
فلما سمعه الأسود، ما أشعر إلا وهو قد حملني حتى أدخلني خباء، وقال: بأبي أنت وأمي، هل لك في سويق السلت بهذا الماء البارد، قلت: قد منعتني أول من ذلك شربة ماء تجربني، قال: فسقاني حتى رويت وأقمت عنده إلى وقت الرواح؛ فلما رأيت الرحلة، قال: بأبي أنت وأمي الحر شديد، ولا آمن عليك مثل هذا الذي أصابك، فتأذن لي في أن أحمل قربة من ماء على عاتقي، وأسعى بها معك، فكلما عطشت سقيتك صحنًا، وغنيتني صوتًا، قال؛ قلت: ذلك لك، قال: فأخذ قربة، فملأها ماءً باردًا من ذلك الماء، وحملها على عاتقه، وركبت أنا راحلتي، فأقبل يسقيني شربة، وأغنيه صوتًا حتى بلغت المنزل الذي أردت، ولحقت بغلامي وثقلي.
قال إسحاق: حدثني سياط عن يونس الكاتب، قال: كان معبد قد علم جارية من جواري الحجاز الغناء تسمّى ظبية الوادي، وعني بتخريجها، فاشتراها رجل من أهل العراق، فأخرجها إلى البصرة، وباعها هناك، فاشتراها رجل من أهل الأهواز، فأعجب بها، وذهبت به كل مذهب، وغلبت عليه، ثم ماتت بعد أن أقامت عنده زمانًا، فأخذ جواريه أكثر غنائها، وكان لمحبته وأسفه عليها لا يزال يسأل عن معبد، وأين مستقره، ويظهر التعصب له، والميل إليه، والتقديم لغنائه على سائل أغاني أهل عصره إلى أن عُرف ذلك منه، وبلغ معبدًا خبره، فخرج إليه، فلما قدم البصرة، صادف الرجل قد خرج عنها في ذلك اليوم إلى الأهواز، فلم يجد إلا سفينة الرجل، وليس يعرف أحدهما صاحبه، فأمر الرجل الملاح، فأجلسه معه في مؤخر السفينة، ففعل ذلك وانحدر؛ فلما صاروا في نهر الأبلة، تغدوا وشربوا، وأمر جواريه يغنين، ومعبد ساكت وهو بثياب السفر، وعليه فرو وخفّان غليظان، إلى أن غنّت إحدى جواريه صوت معبد في شعر النابغة (١): [من البسيط]
ولم تجد أداءه، فصاح معبد: يا جارية هذا ليس بمستقيم، فقال مولاها - وقد غضب -: وأنت ما يدريك الغناء ما هو؟ لم لا تمسك، وتلزم شأنك؟ فأمسك، ثم غنت صوتًا من غناء غيره، وهو ساكت لا يتكلم حتى غنت صوتًا آخرًا لمعبد في شعر عبد الرحمن بن أبي بكر (٢): [من الرمل]
يا بنة الجودي قَلبي كَئيبُ … مُستهام عندها ما يُثِيبُ