هجرتُك حتَّى قيل لا يعرفُ الهَوَى … وزرتُكِ حتى قيل ليسَ لَهُ صَبْرُ
فرفع صوته، وقال: أحسنت لله أبوك! هات ما تريد، قلت: يا سيدي عين مروان بالمدينة، فدارت عيناه في رأسه، وقال: يا ابن اللخناء أردت أن تشهرني بهذا المجلس، فيقول الناس أطربه فحكمه، فتجعلني سمرًا وحديثًا؟! يا إبراهيم الحراني خذ بيد هذا الجاهل إذا قمت فادخله بيت المال الخاصة، فإن أخذ كل ما فيه، فخله وإياه، فدخلت فأخذت منه خمسين ألف دينار.
قال إسحاق: اشترى أبي لجعفر بن يحيى جارية مغنية بمال عظيم، فقال له جعفر: أي شيء تحسن هذه حتى بلغت هذا المال كله، قال: لو لم تحسن شيئًا إلا أنها تحكي قولي (١): [من الكامل]
لَمنِ الدِّيَارُ بِبَرْقَةِ الرُّوحانِ …
لكانت تساوي وزيادة، فضحك جعفر، وقال: أفرطت.
وقال إسحاق: صنع أبي تسعمائة صوت منها دينارية، ومنها درهمية، ومنها فلسية، فأما ثلاثمائة، فإنه تقدم الناس جميعًا فيها، وأما ثلاثمائة، فشاركهم، وشاركوه، وأما الثلاثمائة الأخر، فلعب وطرب. وإسحاق بعد ذلك الثلاثمائة الأخيرة، وكان بعد ذلك إذا سئل عن صنعته، قال: تسعمائة صوت.
قال إسحاق غنّى مخارق بين يدي الرشيد صوتًا فأخطأ في قسمته فقال له: أعد فأعاده، وكان الخطأ خفيًا، فقلت للرشيد سيدي قد أخطأ فيه، فقال لإبراهيم بن المهدي: ما تقول فيما ذكره إسحاق؟ قال: ليس الأمر كما قال ولا ههنا خطأ، فقلت له: أترضى بأبي؟ فقال: أي والله. وكان أبي في بقية علة، فأمر الرشيد، بإحضاره، فجيء به في محفة، فقال لمخارق: أعد الصوت، فأعاده، فقال له: ما عندك يا إبراهيم في هذا الصوت؟ قال: قد أخطأ فيه، فقال: هكذا قال ابنك إسحاق، وذكر أخي إبراهيم أنه صحيح، فنظر إلي، فقال: هاتوا دواة فأتي بهما فكتب شيئًا لم يقف أحد عليه، ثم قطعه، ووضعه بين يدي الرشيد، وقال لي: اكتب بذكر الموضع الفاسد من قسمة هذا الصوت، فكتبته، وألقيته، فقرأه وضحك وقام، فأقرأه بين يدي الرشيد،
(١) صدر بيت في الأغاني ٥/ ٢٠١ وعجزه: «إذا لا نبيع زماننا بزمان»