للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أبوك، وكان مضعوفًا، فكان عديلي، وكنت في طريقي أطلب الأعراب، فأستنشدهم الأشعار، وأكتب عنهم النوادر، فوقف شيخ من الأعراب يسأل فاستنشدته فأنشدني (١):

[من البسيط]

يا عزّ هل لكِ في شيخ فتى أبدًا … وقد يكون شباب غير فتيان

فاستحسنته، ولم أكن سمعته قبل ذلك، فاستنشدني باقي الشعر، فقال لي: هو يتيم، فاستملحت قوله، وبررته، وحفظت البيت، وغنيته فيه لحنًا من الثقيل الأول، ومولاي لا يعلم بذلك لضعفه؛ فلما كانت عشية ذلك اليوم، قال لي: ما كان أحسن البيت الذي أنشدك الأعرابي إياه، وقال لك إنه له أنشدينيه، إن كنت حفظته. فأنشدته إياه وأعلمته أني قد غنيته فيه، ثم غنيته له فوهب لي ألف درهم، وفرح بالصوت فرحًا شديدًا.

قال أبو الخطاب العباس بن أحمد بن الفرات: حدثني أبي قال: كنا يومًا عند جعفر بن المأمون يشرب وعريب حاضرة، إذ غنى بعض من كان هناك (٢): [من الكامل]

يا بدرُ إِنَّكَ قَدْ كُسِيتَ مَشَابِهًا … مِنْ وجهِ ذاك المستنير الواضح

وأراك تمحض بالمحاق وحسنها … باقٍ على الأيام ليس بنازح

فطربت عريب، وصفقت، ونقرت، وقالت: ما على وجه الأرض من يعرف خبر هذا الصوت غيري، فلم يعرف، ولم يقدر أحد منا على مسألتها عنه غيري، فقالت: أنا أخبركم بقصته، ولولا أن صاحب القصة قد مات، لما أخبرتكم. إن أبا محلم قد قدم بغداد، فنزل بقرب دار صالح المسكين في خان هناك، فأطلعت أم محمد على أبي محلم يومًا، فرأته يبول، فأعجبها متاعه، فأحبت مواصلته، فجعلت لذلك علة بأن وجهت إليه تقترض منه مالًا، وتعلمه أنها ضيقة، وأنها ترده إليه بعد جمعة، فبعث إليها عشرة آلاف درهم، وحلف لها أنه لو ملك غيرها، لبعث به، فاستحسنت ذلك منه، وواصلته، وجعلت القرض سببًا للوصلة، وكانت تدخله إليها ليلًا، وكنت أغني لهم، فشربنا ليلةً في القمر، وجعل أبو محلم ينظر إليها، ثم دعا بدواة ورقعة وكتب فيها: [من الكامل]

ا بدرُ إِنَّكَ قَدْ كُسِيتَ مَشَابهًا … مِنْ وجهِ أم محمد ابنة صالح

والبيت الآخر، وقال لي: غنّ فيه، ففعلت فاستحسناه، وشربنا عليه، فقالت أم محمد - في آخر المجلس -: يا أخي إنك قد غنيت في هذا الشعر، وأراه سيبقى عليّ فضيحة آخر الدهر، قال أبو محلم: فأنا أغيره فجعل مكان أم محمد ابنة صالح، ذاك


(١) لأعرابي في الأغاني ٢١/ ٩٦.
(٢) لأبي محلم النسابة في الأغاني ٢١/ ٩٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>