للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المستنير اللائح، وغنيته كما غيره، وأخذه الناس عني، ولو كانت أم محمد حيّةً، لما أخبرتكم بالخبر.

قال أبو الحسن بن الفرات: كنت يومًا عند أخي أبي العباس بن الفرات، وعنده عريب تغني، فقالت لأخي - وقد جرى ذكر الخلفاء: ناكني منهم ثمانية ما اشتهيت منهم أحدًا إلا المعتز. قال ابن الفرات: فأصغيت إلى بعض بني أخي، فقلت: كيف ترى شهوتها الساعة، فضحك من قولي، فقالت: أيُّ شيء قلتم؟ فجحدتها، فقالت: جواري حرائر، لئن لم تخبراني بما قلتما، لأنصرفن، ولئن قلتما لي لا حدرت من شيء جرى، ولو أنه تسفيل، فصدقتها، فقالت: وأيُّ شيء في هذا؟ أما الشهوة فبحالها، ولكن الآلة قد ضعفت. عودوا إلى ما كنتم فيه.

قال أبو عبد الله بن حمدون: زارت عريب محمد بن حامد وجلسا جميعًا، فجعل يعاتبها، ويقول: فعلت كذا، وفعلت كذا فقالت: يا عاجز خذ فيما نحن فيه، واجعل سراويلي مخنقتي، وألصق خلخالي بقرطي، فإذا كان غدًا، فاكتب إلي بعتابك حتى أكتب عذري، فقد قال الشاعر (١): [من الوافر]

دَعِي عَدَّ الذُّنُوبِ إذا التقينا … تَعَالَي لا نَعُدُّ ولا تَعُدِّي

قال: اصطبح المأمون وعنده ندمان، وفيهم محمد بن جامع، وجماعة من

المغنين، وعريب معه على مصلى، فأوما محمد بن حامد إليها بقبلة، فاندفعت تغني

ابتداء (٢): [من الطويل]

ربي ضرع ناب فاستمر بطعنةٍ … كحاشيةِ البُرْدِ اليَمَانِي المُسَهَّم

فقال المأمون: امسكي فأمسكت، ثم أقبل على الندماء: من منكم أومأ إلى عريب بقبلة، والله لئن لم يصدقني لأضرب عنقه، فقام محمد فقال: أنا يا أمير المؤمنين أومأت إليها والعفو أقرب للتقوى، فقال: قد عفوت عنك. فقال: [بم] استدل أمير المؤمنين على ذلك؟، فقال: ابتدأت صوتًا، وهي لا تغني أبدًا إلا لمعنى، فعلمت أنها لم تبتدئ بهذا الصوت إلا لشيء أومئ إليها به، ولم يكن من شرط هذا المعنى إيماء إلا بقبلة، فعلمت أنها إجابة بطعنة.

قال: لما وقف المأمون على خبرها مع محمد بن حامد، أمر بإلباسها جبة صوف، وختم زيقها، وحبسها شهرًا في كنيف مظلم لا ترى الضوء، يدخل إليها خبز


(١) للمؤمل بن جميل بن يحيى بن أبي حفصة في الأغاني ٢١/ ٨٣.
(٢) الأغاني ٢١/ ٨٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>