للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فلَوْ أَنَّ مَنْ أَمْسَى بجانب تَلْعَةٍ … إِلى جَبَلَيْ طَيِّ فَسَاقِطَةِ الحَبْلِ

جلوس إلى أن يقصر الظُّلُّ عِنْدَها … أَرَاحُوا وَكُلُّ القومِ منها على وَصْل

فقال لي المأمون: اخفض صوتك، لا تسمع عريب، فتغضب، وتظن أنك في حديثها. فأمسكت عما أردت، وخار الله في ذلك.

قال اليزيدي: خرجت مع المأمون في خرجته إلى الروم، فرأيت عريبًا في هودج؛ فلما رأتني قالت: يا يزيدي أنشدني شعرًا قلته حتى أصنع فيه لحنًا، فأنشدتها (١): [من الرجز]

مَنْ ذَا بقلبي مِنْ دَوَامِ الخَفْقِ

إذا رأيتُ لَمَعانَ البَرْقِ

مِنْ قِبَلِ الأَرْدُنُ أَوْ دمشق

لأَنَّ مَنْ أَهْوى بذاك الأفق

ذاك الذي يملكُ مِنِّي رقي

ولستُ أبْغِي ما حَبِيْتُ عِتْقِي

فلما سمعته، تنفست نفسًا ظننت أن ضلوعها قد تفصلت منه، فقلت: والله هذه نفس عاشق، فقالت: اسكت ا عاجز، أنا أعشق؟ والله لقد نظرت نظرة مريبة في مجلس، فادعاها من أهل المجلس عشرون رئيسًا، ما علم أحد منهم لمن كانت إلى اليوم.

قال ابن حمدون: وقعت ملاحاة بين عريب وبين محمد بن حامد وشر، وكان في قلبها أكثر مما في قلبه منها، فلقيته يومًا فقالت له: كيف قلبك يا محمد؟، قال: أشقى والله ما يكون، وأقرحه فقالت: استبدل تسلُ، فقال: لو كانت البلوى باختيار، لفعلت، فقالت: لقد طال إذا تعبك، فقال: وما يكون؟ أصبر مكرهًا. أما سمعت قول العباس بن الأحنف (٢): [من الكامل]

تَعَب يطولُ معَ الرجاء لذي الهَوَى … خيرٌ له من راحة في الياس

لولا كرامَتُكُمْ لَمَا عاينتُكُمْ … ولكنتُم عِندي كبعض الناس

قال: فذرفت عيناها واعتذرت إليه، وعاتبته، واصطلحا.

قال أحمد بن محمد بن عبد الله بن إسماعيل المراكبي: قالت لي عريب: حج بي


(١) الإبراهيم بن أبي محمد اليزيدي في الأغاني ٢١/ ٩٤.
(٢) ديوانه ١٦٦، الأغاني ٢١/ ٩٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>