قال: وذكرت بلاغتها لبعض الكتاب، قال: وما يمنعها من ذلك، وهي بنت جعفر بن يحيى.
قال أبو العنبس بن حمدون: حدثني أبي. قال: دخلنا على عريب يومًا مسلمين، فقالت: أقيموا اليوم عندي حتى أطعمكم لوزينجة صنعتها بدعة بيدها من لوز طيب، وأغنيكم أنا وهي، قال، فقلت لها: على شريطة، قالت: وما هي؟، قلت: شيء أريد أن أسألك عنه، وأنا أهابك، قالت: ذاك إليك وأنا أقدم الجواب قبل أن تسأل. تريد أن تسألني عن شرطي أي شيء هو؟، فقلت: والله ذلك الذي أردت قالت: شرطي أير صُلب، ونكهة طيبة، فإن انضاف إلى ذلك حسن وجمال، زاد قدره عندي، وإلا فهذا ما لا بد لي منه.
قال: عتب المأمون على عريب، فهجرها أيامًا، ثم اعتلت، فعادها، فقال لها:
كيف وجدت طعم الهجر؟، فقالت: يا أمير المؤمنين لولا مرارة الهجر ما عُرفت حلاوة الوصل، ومن ذم بداء الغضب أحمد عاقبة الرضا. فخرج المأمون إلى جلسائه، فحدثهم ذلك، ثم قال: أترى هذا لو كان من كلام لم يكن كثيرًا.
قال: وكانت عريب تهوى محمد بن حامد، فكتب إليها «أخاف على نفسي» فكتبت إليه (١): [من المتقارب]
إذا كُنْتَ تَحْذَرُ ما تحذر … وتزعمُ أَنَّكَ لا تَجْسُرُ
فما لي أقيم على صَبْوَتِي … وَلِمْ في لِقائِكَ لا تَقْدِرُ
فصار إليها من وقته، واصطلحا، وأقام عندها يومه.
قال ابن حمدون: ركبت ليلة في حاجة للمأمون، فإذا أنا بصوت حافر، ووافت برقة، فأضاء لها وجه الراكب، فإذا عريب، فقلت: عريب؟ قالت: نعم. ابن حمدون؟ قلت: نعم، ثم قلت لها: من أين أقبلت في هذا الوقت؟ قالت: يا نكس عريب في مثل هذا الوقت من عند محمد بن حامد خارجة من مضرب الخليفة، وراجعة إليه تقول: أي شيء عملت عنده؟ صليت معه التراويح، أو قرأت عليه جزءًا من القرآن، أو دارسته شيئًا من الفقه يا أحمق فتحادثنا، وتعاتبنا، وأكلنا، وشربنا، ولعبنا، وغنينا، وتنايكنا. فأخجلتني، وغاظتني، وافترقنا، ومضيت في حاجتي، ثم عدت إلى المأمون، فأخذنا في الحديث، وتناشدنا الأشعار، فهممت أن أحدثه بحديثها، ثم هبتُ أن أذكر ذلك، فقلت: أقدم قبل ذلك تعريضًا بشيء من الشعر، فأنشدته (٢): [من الطويل]