للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لَبِسَ الدَّلال وقام ينقرُ دَفَهُ … نَقْرًا أقرَّ به العيون وأطربا

إنَّ النساءَ رَأَيْنَهُ فعَشِقْنَهُ … يَشكُونَ شدَّة ما بهنَّ فأكذبا

قال: فطربت والله طربًا هممت معه أن أنطح برأسي الحائط، ثم قال: غنيني، فغنت (١): [من المديد]

طال تكذيبي وتصديقي … لمْ أَجِدْ عَهْدًا لمخلوق

لا تراني بعدَهُمْ أَبَدًا … أشتكي عشقًا لمعشوق

قال: فرقص الرشيد، ورقصت معه، ثم قال: امض بنا؛ فإنني أخشى أن يبدو منا ما هو أكثر من هذا. فمضينا؛ فلما صرنا إلى الدهليز، قال - وهو قابض علي يدي - عرفت هذه المرأة؟، قلت: لا يا أمير المؤمنين. قال: فإني أعلمك ستسأل عنها فلا تكتم ذلك، وأنا أخبرك بها. هذه علية بنت المهدي؛ والله لئن لفظت به بين يدي أحد، وبلغني، لأقتلنك.

قال: فسمعت جدي يقول له: قد والله لفظت به، ووالله لأقتلنك، فاصنع ما أنت صانع.

ومن شعرها في طل (٢): [من الكامل]

يا رب إني قد عرضتُ بهجْرِها … وإليكَ أَشكو ذاك يا رباه

مولاة سوء قد تضر بعبدِها … نِعْمَ الغُلامُ وبئست المولاه

طل ولكنّي حُرِمْتُ نَعِيْمَها … وهَوَاهُ إِنْ لم يُغنني الله

يا رب إن كانت حياتي هكذا … ضررًا علي فما أُحِبُّ حياه

قال: ماتت علية سنة تسع ومائتين، ولها من العمر خمسون سنة، وصلّى عليها المأمون.

وكان سبب وفاتها: أن المأمون يومًا ضمّها إليه، وجعل يقبل رأسها، وكان وجهها مغطى، فشرقت من ذلك، وسعلت، ثم حمت بعقب هذا أيامًا يسيرة، وماتت.

وكانت تحب خادمًا لها اسمه طلّ، فأقصاه الرشيد عنها خلافًا لمرادها، وأقصدها من فراقها، بسهم لم يخط صميم فؤادها، فأبعده إلا عن موضعه من حبها، وأخرجه إلا من مكانه من قلبها، وإنما أظهرت التجلد لأجله، وأبدت التثبت خوفًا أن يسبق السيف لعذله، فلم تمكن بعد أن نقض عن ستورها سقيط طله إلا أن يبلغ بالبكاء طلها بوبله، فبلغ الرشيد ولعها بتذكره ودمعها الباكي على ساقط الطل في ثغر الأحق إن الضاحك، فقويت عزيمتها على الطرب، وإن كان مرّ المذاق، وتماسكت وما عسى أن يتماسك المشتاق.


(١) لعلية بنت المهدي في شعرها ١٢٨، ولمحمد حميد الطوسي في الأغاني ١٠/ ٢١٨.
(٢) لعلية بنت المهدي في شعرها ١٥٦، ونسب لها وقيل لنبيه الكوفي في الأغاني ١٠/ ٢٠١.

<<  <  ج: ص:  >  >>