فدخل الرشيد عليها يومًا وهي تقرأ ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ (١) فقالت: فإن لم يصبها فما نهى أمير المؤمنين عنه، فقال لها: يا علية ولا في القرآن، ثم أذن له فيما بعد أن يكون بمكانه من بابها في جملة الخدم، ولا يتأخر عنهم، ولا يتقدم، فكان على ذلك، وهي أشد ما كانت به ولوعا، وإليه نزوعا، تتشكّى الظمأ، ولا ترى الماء إلا ممنوعا، ومضت عليها أيام لا تراه فمشت على ميزاب مخاطرة في هواه؛ فلما وصلت إليه، أنشدت من حرقتها عليه (٢): [من الكامل]
قدْ كانَ ما كُلِّفتُهُ زَمَنًا … يَا طَلُّ مِنْ وَجْدِ بِكُمْ يَكفي
حتى أتيتك زائرًا عَجِلًا … أَمْشِي إلى حَتْفِي على حَتَّفِي
وقالت في طل وصحفت اسمه (٣): [من الطويل]
أيا سروة البستان طال تِشَوُّقِي … فَهَلْ لي إلى ظل إليكِ سَبِيلُ
مَتَى نَلْتَقِي مَنْ ليسَ يُقْضَى خُرُوجُهُ … وليس لمنْ يَهْوَى إليهِ دُخُولُ
وكانت لأم جعفر جارية يقال لها طعنان فوشت بعُليَّة إلى رشا، وقالت عنها ما لم تقل فقالت علية فيها (٤): [من الطويل]
لطعنانَ خُفٌ مُذْ ثلاثينَ حِجَّةً … جديدًا فَمَا يَبْلَى وَمَا يَتَخَرَّقُ
وكَيْفَ بِلَى خُفٌ هوَ الدهرُ كُلُّهُ … على قدميها في السَّمَاءِ مُعَلَّقُ
فَمَا خَرَقْتْ خُفًَّا ولمْ تُبْلِ جَوْرَبًا … وَأَمَّا سَرَا ويلاتها فتُمزَّقُ
ومن شعرها وقولها (٥): [من المديد]
نامَ عُذالي ولم أَنَم … واشْتَفَى الواشونَ من سَقَمي
وإذا ما قُلْتُ بي أَلَمَّ … شَكٍّ مَنْ أَهْوَاهُ في أَلَمِي
وقولها وقد خرجت مع أخيها الرشيد (٦): [من الطويل]
ومُغْتَرِب بالمَرْجِ يَبْكِي لِشَجْوِهِ … وقَدْ غابَ عنْهُ المُسْعِدُونَ على الحُبِّ
إذا أَتاهُ الرَّكْبُ مِنْ نَحْوِ أَرْضِهِ … تَنَشَّقَ بِسْتَشْفِي بِرَائِحَةِ الرَّكْبِ
وقولها (٧): [من الطويل]
وأحسن أيام الهَوَى يومُكَ الَّذِي … تُرَوَّعُ بالهجران فيه وبالعبِ
(١) سورة البقرة: الآية ٢٦٥.
(٢) شعرها ١٢٣ - ١٢٤، الأغاني ١٠/ ٢٠١.
(٣) شعرها ١٣٤، الأغاني ١٠/ ٢٠٢.
(٤) شعرها ١٢٦، الأغاني ١٠/ ٢٠٥.
(٥) شعرها ١٤٥، الأغاني ١٠/ ٢٠٥.
(٦) لعلية بنت المهدي في شعرها ٨٢، الأغاني ١٠/ ٢٢٢.
(٧) لعلية بنت المهدي في شعرها ٨٥.