للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الصوت مع الجواري ففعلت أم جعفر ما أمرتها به عُليَّة؛ فلما جاوزت صلاة العصر، لم يشعر الرشيد إلا وعلية قد خرجت إليه من حجرتها معها زهاء ألفي جارية من جواريها، وسائر جواري القصر، عليهنَّ غرائب اللباس، وكلهن في لحن واحد هزج (١):

[من مجزوء الرجز]

مُنْفَصِلٌ عَنِّي وَما قَلبي عَنْهُ مُنْفَصِلٌ … يا قاطعي اليومَ لِمَنْ نَوَيْتَ بَعْدِي أَنْ تَصِلْ

فطرب الرشيد، وقام على رجليه حتى استقبل أم جعفر وعلية، وهو على غاية السرور، وقال: لم أر كاليوم قط، يا مسرور لا تبقين اليوم درهمًا في بيت المال إلا تنثره. وكان بلغ ما نثر يومئذ ستة آلاف ألف درهم.

قال: كانت علية تقول: من لم يطربه الرمل، لم يطربه شيء.

وكانت تقول: من أصبح وعنده طباهجة، ولم يصطبح، ضاع سروره.

قال إبراهيم بن المهدي: ما خجلت قط خجلتي من علية بنت المهدي حين دخلت إليها يومًا، فقلت لها: كيف أنت يا أختي جعلت فداك؟، وكيف حالك وخبرك؟، فقالت: بخير والحمد لله، ووقعت عيني على جارية لها كانت تذب عنها، فتشاغلت بالنظر إليها، وأعجبتني، وطال جلوسي، ثم استحييت من علية، فأقبلت عليها، فقلت لها: كيف أنت وكيف حالك وكيف جسمك جعلت فداك؟ فرفعت رأسها إلى حاضنة لها وقالت: أليس قد مضى هذا، وأجبنا عنه فخجلت خجلًا ما خجلت مثله قط، وقمت، فانصرفت.

قال محمد بن جعفر بن ح: شهدت أبي جعفرًا وأنا صغير وهو يحدث أباه يحيى بن خالد في بعض ما كان يخبره به من خلواته مع الرشيد، فقال: يا أبه أخذ بيدي أمير المؤمنين، ثم أقبل في حجرة يخرقها حتى انتهى إلى حجرة مغلقة، ففتحها بيده، ودخلنا جميعًا، فأغلقها من داخل بيده، ثم صرنا إلى رواق، ففتحه وفي صدره مجلس مغلق، فقعد على باب المجلس فنقر الباب، فسمعنا حسًّا، ثم عاد النقر، فسمعنا صوت عود، ثم أعاد الثالثة، فغنت جارية ما ظننت أن الله تعالى خلق مثلها في حسن الغناء، وجودة الضرب، فقال أمير المؤمنين لها - بعد أن غنت أصواتًا -: غنّ صوتي، فغنت (٢): [من الكامل]

ومخنث شَهِدَ الزَّفاف مُقَنَّعًا … غَنَّى الجَوَارِي حَاسِرًا ومُنَقَّبا


(١) لعلية بنت المهدي في شعرها ١٤٢، الأغاني ١٠/ ٢١١.
(٢) الأغاني ١٠/ ٢١٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>