قال إسحاق الموصلي: عملت في أيام الرشيد لحنًا (١): [من البسيط]
سقيًا لأرض إذا ما نمتُ نَبَّهَني … بَعْدَ الهُوي بها قَرْعُ النَّوَاقِيس
كَأَنْ سَوْسَنَها في كلِّ سارقةٍ … على الميادين أدباب الطَّواويس
قال: فأعجبني، وعزمت على أن أباكر به الرشيد، فلقيني في طريقي خادم لعلية بنت المهدي، فقال: مولاتي تأمرك بدخول الدهليز تسمع من بعض جواريها صوتًا أخذته عن أبيك، وشكت فيه الآن، فدخلت معها حجرة قد أفردت لي، كأنها كانت معدة، فجلست، وقدم لي طعام وشراب، فنلت حاجتي منه، ثم خرج إلي خادم فقال: تقول مولاتي أنا أعلم أنك قد غدوت إلى أمير المؤمنين بصوت قد أعددته له محدث، فأسمعنيه ولك جائزة سنية، فغنيتها إياه، ولم تستعده مرارًا، ثم قالت: اسمعه الآن، فغنته غناء ما سمع سمعي مثله قط، ثم قالت: كيف تراه؟، قلت: أرى والله ما لم أر مثله، ثم أمرت الجارية، فأخرجت لي عشرين ألف درهم، وعشرين ثوبًا، فقالت: هذا ثمنه، وأنا الآن داخلة إلى أمير المؤمنين ولم أبتدئ بغناء غيره، وأخبر أنه صنعتي، وأعطي الله عهدًا لئن نطقت بأن لك فيه صنعة، لأقتلنك، هذا إن نجوت منه إن أعلم بمصيرك إلي، فخرجت من عندها، والله إني كالموقر ما أكره من جائزتها أسفًا على الصوت، فما جسرت والله بعد ذلك أتنغم به في نفسي، فضلًا عن أن أظهره حتى ماتت، فدخلت على المأمون في أول مجلس جلس به للهو بعدها، فبدأت به في أول ما غنيت، فتغير وجه المأمون، وقال: من أين لك هذا ويلك؟ قلت: ولي الأمان على الصدق؟، قال: ذلك لك، فحدثته الحديث، فقال: يا بغيض فما كان لك في هذا من النفاسة حتى شهرته، وذكرت هذا منه مع ما أخذته من الجائزة، وهجنني فيه هجنة، وددت معها أنني لم أذكره، فاليت على نفسي أن لا أغنيه بعدها أبدًا.
قال: أهديت للرشيد جارية في غاية الجمال والكمال، فخلا معها يومًا، وأخرج كل قينة في داره، واصطبح، فكان من حضر من جواريه للغناء والخدمة والشراب زهاء ألفي جارية في أحسن زي، وفي كل نوع من أنواع الجوهر والثياب، واتصل الخبر بأم جعفر، فغلظ عليها ذلك فأرسلت إلى علية تشكو إليها، فأرسلت إليه علية لا يهولنكِ ما رأيت. والله لأردنه إليك قد عزمت أن أصنع شعرًا، وأصوغ فيه لحنًا، وأطرحه على الجواري فلا يبقى عندك جارية إلا بعثت بها إلي، وألبسهن أنواع الثياب، ليأخذن
(١) لاسماعيل بن يسار أو إسحاق الموصلي في الأغاني ١٠/ ٢٠٧.