جلبة، وإذا أبو يوسف القاضي ونظائره قد دُعي بهم، ثم دُعي عبد الملك بن صالح الهاشمي فأدخلا جميعًا على الرشيد، فقال الرشيد لعبد الملك: إن أمير المؤمنين كان واجدًا عليك، وقد رضي عنك، وأمر لك بأربعة آلاف درهم، فاقبضها من جعفر بن يحيى الساعة، ثم دعا بابنه فقال: اشهدوا أني قد زوجته العالية بنت أمير المؤمنين، وأمهرتها عنه بألفي ألف درهم، ووليته مصر؛ فلما خرج جعفر بن يحيى، سألته عن الخبر؟، فقال: بكرت على أمير المؤمنين، فحكيت له جميع ما كان منا، وما كنا فيه حرفًا حرفًا، ووصفت له دخول عبد الملك، وما صنع، فعجب لذلك، وسُرّ به، ثم قلت له: وقد ضمنت له يا أمير المؤمنين عنك ضمانًا. قال: وما هو؟ فأعلمته. قال: نفي له بضمانك، وأمر بإحضاره، فكان ما رأيت.
قال إسحاق: ما اغتممت بصوت قط مليح صنعته بهذا الشعر: [من المديد]
كأن لي قلب أعيش به … فاكتوى بالحب فاخترقا
أنا لم أُرْزَق محبَّتَها … إِنَّما للعبد ما رُزِقا
لم يكن ما ذاق طعم ردّى … ذاقَهُ لا شلَّ مَنْ عَشِقَا
فإني صنعت فيه لحنًا، وجعلت أردد [هـ] في جناح لي سحرًا، فأظن أن إنسانًا من العامة سمعه فأخذه، وبكرت من غدٍ إلى المعتصم، لأغنيه به وإذا أنا بسواط يسوط الناطف ويغني اللحن يغنيه إلا أنه غناء فاسد، فعجبت، وقلت: ترى من أين للسواط هذا الصوت؟ ولعلي أن غنيته أن يكون مرّ بهذه السفلة بعض من يحضر معنا فسمعه يغنيه، وبقيت متحيرًا، ثم قلت له: يا فتى ممن سمعت هذا الصوت؟ فلم يجبني، فالتفت إلى شريكه، فقال: خذ إليك يسألني ممن سمعته؟ والله لو سمعه إسحاق الموصلي لخري في سراويله، فبادرت والله هاربًا خوفًا من أن يمر بي إنسان فيسمع ما جرى … وما علم الله أني نطقت بذلك الصوت بعدها.
قال إسحاق: غدوت يومًا ضجرًا من ملازمة دار الخلافة والخدمة فيها، فخرجت، وركبت بكرةً، وعزمت على أن أطوف الصحراء أفترج فيها، فقلت لغلماني: إن جاء رسول الخليفة، فعرفوه أني بكرت في بعض مهماتي، وأنكم لا تعرفون أين توجهت. ومضيت فطفتُ ما بدا لي، ثم عدت، وقد حمي النهار، فوقفت في شارع المحرم في فناء ثخين الظل، وجناح رحب على الطريق؛ لأستريح، فلم ألبث أن جاء خادم يقود حمارًا فارهًا عليه جارية راكبة تحتها منديل دييقي، وعليها من اللباس الفاخر ما لا غاية بعده، ورأيت لها قوامًا عادلًا حسنًا، وظرفًا وشمائل حسنة، فحدست عليها أنها مغنية، فدخلت الدار التي كنت واقفًا عليها، ثم لم ألبث أن أقبل خادمان،