للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومعهما شابان جميلان، فاستأذنا، فأذن لهما، فنزلا ونزلت معهما، ودخلت فَظَنَّا أن صاحب الدار دعاني، وظن صاحب البيت أني معهما .. فجلسنا وأتي بالطعام، فأكلنا، وبالشراب، فشربنا أقداحًا، وقمت لأبول، فسأل صاحب المنزل الرجلين عني، فأخبراه أنهما لا يعرفاني، فقال: هذا طفيلي، ولكنه ظريف فأجملا عشرته، وجئت، فجلست، فغنت الجارية في لحن لي (١): [من الطويل]

ذكرتك إذ مرَّتْ بنا أُمُّ شادِنٍ … أمام المطايا تَشْرَئِبُّ وتَسْنَحُ

مِنَ المولفاتِ الرَّمْلَ إذ ما جرّه … شعاع الضحى في متنها تتوضح

فأدته أداء صالحًا، ثم غنت أصواتًا شتى، وغنت في أضعافها [من] صنعتي (٢): [من مجزوء الخفيف]

الطلول الدوارسُ … فارقتها الأوانس

أوحشت بعد أهلها … فهي قفرٌ بَسَابِسُ

فكان أمرها فيه أصلح من الأول، ثم غنت أصواتًا من القديم والحديث، وغنت في أضعافها من صنعتي (٣): [من مجزوء الخفيف]

قُلْ لمن صَدَّ عنك تبا … ونَنَأَى عَنْكَ جانبا

قد بلغت الذي أَرَدْتَ … ولو كان لاغبا

فكان أصلح من الأولين، فاستعدته لأصلح ما فيه، فقال لي أحد الرجلين: ما رأيت طفيليًا أصفق وجهًا منك لم ترض بالتطفل حتى اقترحت بهذا غاية المثل: طفيلي مقترح، فأطرقت ولم أجبه، وجعل صاحبه يكفّه عني، فلا يكف، ثم قاموا إلى الصلاة، وتأخرت قليلًا، فأخذت عود الجارية، ثم شددت طبقته، وأصلحته إصلاحًا محكمًا، وعدت إلى موضعي فصليت وعاد وأخذ ذلك من عربدته علي، وأنا صامت، ثم أخذت العود الجارية، فجسته، فأنكرت حاله، وقالت: من مس عودي؟، قالوا: ما مسه أحد قالت: بلى والله قد مسه حاذق متقدم، وشد طبقته وأصلحه إصلاح متمكن من صناعته، فقلت لها: أنا أصلحته، قالت: فبالله عليك خذه واضرب به، فأخذت وضربت به مبتدأ عجبًا ضربًا صعبًا نقرات متحركًا، فما بقي أحد منهم إلا وثب، فجلس بين يدي، فقالوا: بالله يا سيدي أتغني؟ قلت: نعم، وأعرفكم بنفسي. أنا


(١) لذي الرمة في ديوانه ١١١، الأغاني ٥/ ٤٣٨ - ٤٣٩.
(٢) لابن ياسين في الأغاني ٥/ ٣٥٢.
(٣) لإسحاق الموصلي في ديوانه ٩٤، الأغاني ٥/ ٤٣٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>