للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

حتى نخلو جميعًا بقية يومنا، وأغنّيك وتغنيني، ونأخذ في شأننا من وقتنا هذا، فقلت: نعم، فصرنا إلى منزله، فنزعنا ثيابنا، ودعا بالطعام فأكلنا، وأمر بإخراج الجواري، وقال: لتبرزن، فليس عندنا من نحتشمه؛ فلما وضع الشراب دعا بقميص حرير فلبسه، ودعا بخلوق فتخلق به، ثم دعا لي بمثل ذلك، وجعل يغنيني وأغنيه، حتى دعا بالحاجب، وتقدم إليه، وأمر بأن لا يأذن لأحدٍ من الناس كلهم، وإن جاء رسول أمير المؤمنين، أعلمه بأنه مشغول، واحتاط في ذلك، وتقدم فيه إلى جميع الحجاب والخدام، ثم قال: إن جاء عبد الملك، فادنوا له - يعني رجلًا كان يأنس به ويمازحه، ويحضر خلواته - ثم أخذنا في شأننا فوالله إنا لعلى حالة سارة عجيبة، إذ رفع الستر، فإذا عبد الملك بن صالح الهاشمي قد أقبل، وغلط الحاجب فلم يفرق بينه وبين الذي عناه جعفر بن يحيى، وكان عبد الملك بن صالح من جلالة قدره، والتقشف والامتناع من منادمة أمير المؤمنين على أمر جليل، وكان الرشيد قد اجتهد به أن يشرب معه أقداحًا، فلم يفعل ذلك رفعًا لنفسه؛ فلما رأيناه مقبلًا، أقبل كل واحد منا ينظر إلى صاحبه، وكاد جعفر أن ينشق غيظًا، وفهم حالنا، فأقبل نحونا حتى إذا صرنا بالقرب منه، وصار إلى الرواق الذي نحن فيه، نزع قلنسية، فرمى بها مع قلنسوته جانبًا، ثم قال: أطعمونا شيئًا. فدعا له جعفر بالطعام، وهو منتفخ غيظًا وغضبًا، فطعم ثم دعا برطل، فشربه ثم أقبل إلى المجلس الذي نحن فيه، فأخذ بعضادتي الباب، ثم قال: أشركونا فيما أنتم فيه، فقال له جعفر: أدخل، ثم دعا بقميص حرير وخلوق فلبس وتخلق، ثم دعا برطل ورطل حتى شرب عدة أرطال، ثم اندفع يغنينا، فكان أحسننا جميعًا غناءً؛ فلما طابت نفس جعفر بن يحيى، وسري عنه ما كان به، التفت إليه، فقال: ارفع حوائجك. قال: ليس هذا موضع حوائج، قال: لتفعلن، قال: فلم يزل يلح عليه حتى قال: أمير المؤمنين، واجد، واحبّ أن تترضاه لي، قال: فإن أمير المؤمنين قد رضي عنك، فهات حوائجك، قال: هذه كانت حاجتي، قال: ارفع حوائجك كما أقول لك. قال: علي دين فادح، قال: هذه أربعة آلاف درهم، فإن أحببت أن تقبضها من مالي الساعة فاقبضها؛ فإنه لم يمنعني عن إعطائك إياها إلا أن قدرك يجلّ أن يصلك مثلي، ولكني ضامن لها حتى تحمل إليك من مال أمير المؤمنين، فاسأل أيضًا إنني يكلم أمير المؤمنين حتى ينوه باسمه، فقال: قد ولاه أمير المؤمنين مصر، وزوجه ابنته العالية، وأمهرها عنه بألفي ألف درهم.

قال إسحاق: فقلت في نفسي: قد سكر الرجل - يعني جعفرًا - فلما أصبحت لم يكن لي همة إلا الحضور لدار الرشيد، فإذا جعفر بن يحيى قد بكر، ووجدت في الدار

<<  <  ج: ص:  >  >>