قال إسحاق؛ قال لي الرشيد يومًا: أي شيء يتحدّث الناس؟، قال: يتحدثون بأنك تقبض على البرامكة، وتولّي الفضل بن الربيع الوزارة، فغضب، وصاح، وقال: ما أنت وذاك ويلك؟ فأمسكت؛ فلما كان بعد أيام عادتنا، فرأيته عيانًا، وكان أول شيء غنيته أبياتًا لأبي العتاهية (١): [من الوافر]
قال إسحاق: ذكر المعتصم يومًا بعض أصحابه، وقد غاب عنه، فقال: تعالوا حتى نقول ما يصنع في هذا الوقت، فقال قوم: يلعب بالنرد، وقام قوم: يغني، فبلغتني النوبة، فقال؛ قل يا إسحاق، فقلت: إذا أقوله وأصيب؟ قال: أتعلم الغيب؟، قلت: لا، ولكني أفهم ما يصنع وأقتدر على معرفته. قال: فإن لم تصب؟، قال: فإن أصبت، قال: لك حكمك، قال: فإن لم تصب، قلت: لك دمي، فقال: وجب.
فقلت: وجب. قال: فقل، قلت: يتنفس، قال: فإن كان ميتًا، فقلت تحفظ الساعة التي تكلمت فيها، فإن كان مات فيها، أو قبلها، فقد قمرتني، فقال: قد أنصفت؛ قلت: فالحكم. قال: احتكم، فقلت: ما حكمي إلا رضاك يا أمير المؤمنين! قال: فإنَّ رضاي لك، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم. أترى مزيدًا؟، فقلت: ما أولاك يا أمير المؤمنين بذلك، قال: فإنها مائتا ألف أترى مزيدًا؟، فقلت: ما أحوجني إلى ذلك يا أمير المؤمنين، قال: فإنها ثلاثمائة ألف، قلت: ما أولاك بذلك؟ يا أمير المؤمنين، قال: يا صفيق الوجه ما نزيدك على هذا.
قال إسحاق: لم أر قط مثل جعفر بن يحيى كانت له فتوة، وظرف، وأدب، وحسن غناء، وضرب بالطبل، وكان يأخذ بأجزل حظ من كل فن: الأدب، والفتوة، فحضرت باب الرشيد يومًا، فقيل لي: إنه نائم، فانصرفت فلقيني جعفر بن يحيى، فقال لي: ما الخبر؟ فقلت: أمير المؤمنين نائم، فقال لي: قف مكانك، ومضى إلى دار أمير المؤمنين، وخرج إليه الحاجب، فأعلمه بأنه نائم ورجع، فقال: صِر بنا إلى المنزل