للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

إذا المرء قاسى الدَّهْرَ وابيضَّ رَأْسُهُ … وثُلِّمَ تَسْلِيمُ الإناءِ جَوَانِبُهْ

فللموتُ خيرٌ مِنْ حياةٍ خَسِيسَةٍ … تُبَاعِدُهُ طورًا وطورًا تُقَارِبُهْ

قال أبو الفرج: كان إسحاق يأخذ عن الأصمعي، ويكثر الرواية عنه، ثم فسد ما بينهما، فمحاه إسحاق وثلبه، وكشف للرشيد معايبه، وأخبره بقلة شكره وبخله وضعف نفسه، وأن الصنيعة لا تزكو عنده، وأن أبا عبيدة أوثق منه، وأصدق، وأسمح بالعلم منه، فأنفذ إليه من أقدمه، وأبعد الأصمعي، فقال الأصمعي لإسحاق (١): [من البسيط]

أإنْ تَغَنَّيتَ للشُّرْبِ الكرام ألا … ردَّ الخليط جمال الحي فافتَرَقُوا

وقيل: أحسنت فاستدعاك ذاك إلى … ما قلت ويحك لا تذهب بِكَ الحُرَقُ

وقيل: أَنْتَ حِسانُ الناس كلّهُمُ … وابنُ الحسان فقد قالوا وقَدْ صَدَقُوا

فَمَابهذا تقوم النادباتُ وَلا … يُثْنى عليكَ إذا ما ضُمَّتِ الحُرَقُ

قال إسحاق: جاء عطاء الملط بجماعة من أهل البصرة إلى قُرَيْبٍ - أبي الأصمعي وكان نذلًا من الرجال - فوجده ملقى على وجهه في كساء، نائمًا في الشمس، فركله برجله، وصاح به يا قريب قم ويلك، فقال: هل لقيت أحدًا من أهل العلم، أو من أهل اللغة، أو من العرب، أو من الفقهاء أو من المحدثين؟، قال: لا والله، فقال لمن حضر: هذا أبو الأصمعي، فاشهدوا لي عليه، وعلى ما سمعتم منه. لا يقول لكم الأصمعي غدًا أو بعده: حدثني أبي وأنشدني أبي. ففضحه.

قال الصولي: كان لإسحاق غلام يقال له فتح يسقي الماء لأهل داره على بغلين من بغاله دائمًا، فقال له إسحاق يومًا: أي شيء خبرك يا فتح؟، قال: خبري أنه ليس في هذه الدار أشقى مني ومنك، قال: وكيف ذاك؟، قال: أنت تطعم أهل الدار الخبز، وأنا أسقيهم الماء. فاستظرف قوله، وضحك منه، فقال له: وأي شيء يعفيني، وتهب لي البغلين أسقي عليهما، قال: قد فعلت.

قال: وكان إسحاق يقول الإسناد فيه الحديث، فتحدث مرة بحديث الإسناد له،


= وهو، زبان بن سيار بن عمرو بن جابر الفزاري: شاعر جاهلي غير قديم. من أهل المنافرات.
عاش قبيل الإسلام وتزوج مليكة بنت خارجة المزنية ومات وهي شابة، فتزوجها ابنه منظور، وأسلم هذا ففرق الإسلام بينهما. وزبان من شعراء المفضليات والحماسة الصغرى.
توفي نحو سنة ١٠ ق هـ/ نحو ٦١٣ م.
ترجمته في: سمط اللآلي ٣/ ٢٦ وطبقات الجمحي ٩٤، والأغاني ٥/ ٣٩٣، والوحشيات ١٧٤ وشرح المفضليات للتبريزي بخطه الورقة ٢٢٠ والنسخة المطبوعة ١٤٦٣، الأعلام ٣/ ٤١.
(١) للأصمعي أو لأبي المنذر العروضي في الأغاني ٥/ ٣٩٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>