للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال ابن المنجم؛ قال لي محمد بن الحسين بن مصعب - وكان بصيرًا بالغناء والنغم -: لحن إسحاق في «تشكى الكميت الجَرْي» (١) أحسن من لحن ابن سريج فيه، ولحنه «تبدَّى لنا» أحسن من لحن معبد فيه، وذلك من أجود صنعة ابن سريج، وهذا من أجود صنعة معبد. قال: فأخبرت إسحاق بقوله، فقال: فقد أخذت بزمامي راحلتيهما، فزغرتهما، ثم أنختهما، فما بلغتهما. فأخبرت بذلك محمد بن الحسين، فقال: هو الله يعلم أنه قد يرد عليهما، ولكنه لا يدع بغضه للقدماء.

قال أبو الفرج: وكان إسحاق قد اعتلت غناؤه، وضعف بصره، وكف في آخر عمره.

قال: وكان السبب في علة عينيه أن إبراهيم ابن أخي سلمة الوصيف نازع إسحاق بين يدي الرشيد في شيء من الغناء، فَرَّ عليه فشتمه إبراهيم، فرد عليه إسحاق وأربي عليه في الرد، فقال: أترد علي وأنا مولى أمير المؤمنين، قال إسحاق: اسكت؛ فإنك من موالي العبدين، فقال له الرشيد: يا إسحاق وأي شيء موالي العبدين؟، فقال: يا أمير المؤمنين يشترى الخلفاء كل صانع في العبيد للعتق فيكون فيهم الحائك، والحجام، والسائس، فهو أحد هؤلاء الذين ذكرتهم. قال: فخرج إبراهيم، فوقف له على طريقه؛ فلما جاز عليه منصرفًا، ضرب رأسه بمقرعة فيها معول، فكان ذلك سبب ضعف نظره. فبلغ الرشيد الخبر، فأمر [أن] يحجب عنه إبراهيم، وحلف أن لا يدخل عليه، فدس إلى الرشيد مع غنائه (٢): [من الخفيف]

مَنْ لعبدٍ أَذَلَّه مولاه … ماله شافع إليه سواه

يشتكي ما به إليهِ ويَخْشا هـ … ويرجوه مثل ما يَخْشَاهُ

فسأل الرشيد عن صانع لحنها فعرفه، فحلف أن لا يرضى عنه حتى يرضى إسحاق، فقام وقال: قد رضيت عنه يا سيدي رضًا صحيحًا، وقبل الأرض لما كان من قوله فرضي عنه، وأحضره وأمره بترضي إسحاق، ففعل.

قال ابن المكي: كان إسحاق إذا غنّى هذا الصوت، يأخذه بلحنه ويبكي (٣): [من الطويل]


(١) جزء من صدر بيت لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ٤٦٢، الأغاني ١/ ٩، ٦٧، ٢١٥ والبيت هو: تشكي الكميت الجري لما جهدته وبين لو يسطيع أن يتكلما
(٢) لأبي العتاهية في ديوانه ٣٦، الأغاني ٤/ ٦٩.
(٣) لزبان بن سيار الفزاري في الأغاني ٥/ ٣٩٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>