أَيا مُنْشِرَ المَوتَى [أقدني من التي … بها نهلت نفسي سَقَامًا وَعَلَّتِ]
فإنه يعلم أنه لك ولم يسمعه من أحد، قال: فافعل؛ فلما دخل إسحاق غناه مخارق، وتعمَّد لأن يفسده بجهده، وفعل ذلك في مواضع خفية، لم يعرفها الواثق من قسمته؛ فلما غناه قال الواثق لإسحاق: كيف ترى هذا الصوت؟ قال: فاسد غير مرض، فأمر به فسحب من المجلس حتى أخرج عنه، وأمر بنفيه من بغداد، ثم جرى ذكره يومًا، فقالت فريدة: يا أمير المؤمنين إنما كاده مخارق، فأفسد الصوت من حيث أوهمك أنه زاد فيه بحذفه نغمًا وجودة، وإسحاق تأخذ نفسه بقول الحق في كل شيء ساءه أو سره، ويفهم من غامض علم الصناعة ما لا يفهمه غيره، فليحضره أمير المؤمنين، ويحلفه بغليظ الأيمان على حقيقة الصوت، فإن كان فاسدًا فصدق عنه إن لم يكن عيب، ووافقناه عليه حتى يستوي، فليس يجوز أن يتركه فاسدًا، وإن كان صحيحًا، قال فيه ما عنده، فأمر بالكتاب بحمله، فحمل وأحضر وأظهروا الرضا عنه، ولزمه أيامًا، ثم أحلفه أنه يصدقه عما يمر في مجلسه، فحلف له، ثم غنى الواثق أصواتًا يسأله عنها أجمع، فيخبر فيها بما عنده، ثم غنته فريدة هذا الصوت، وسأله الواثق عنه، فرضيه واستجاده، وقال: ليس على هذا سمعته المرّة الأولى، وأبان عن المواضع الفاسدة، وأخبر بإفساد مخارق إياها، فسكن غضبه الذي كان، وتنكر لمخارق مدة.
قال إسحاق: ما كان يحضر الواثق أعلم منه بالغناء. قال إسحاق: كتبت إلى علي بن هشام أطلب نبيذًا، فبعث إليّ بما التمستُ، وكتب: قد وجهت إليك بشراب أصلب من الصخر، وأعتق من الدهر، وأصفى من القطر.
قال: لما غنّى إسحاق لحنه في شعر وهو (١): [من المنسرح]
يا أيها القائم الأمينُ فَدَتْ نَفْسَكَ نفسي بالمال والوَلَدِ
بَسَطْتَ للناس إذ ولِيتَهُمُ … يدًا مِنَ الجود فوق كلّ يد
أمر له بألف ألف درهم، فحملت إليه على مائة فراش، حتى أدخلت إليه.
قال عمرو ابن بانة: رأيتُ المهدي يناظر إسحاق في الغناء فتكلما بما فهماه ولم أفهم منه شيئًا، فقلت لهما: لئن كان ما أنتما فيه من الغناء، فما نحن في قليل منه ولا كثير.
قال: خالف إبراهيم إسحاق في شيء من التجزئة، فقال له: إلى من أحاكمك؟