للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مُقَوِّمًا شيئًا من خطاياك، وأنا أغني له - أعزك الله - هذا الصوت، فيعلم وتعلم ويعلم من حضر أنك قد أخطأته، وقصرت فيه، وأما البرامكة وملازمتي لهم فأشهر من أجحده. وذلك والله أقل ما يستحقونه مني، ثم أقبل على الفضل، وقد غاضه في مدحه لهم. فقال: اسمع مني شيئًا أخبرك به فيما فعلوه بي ليس هو كثيرًا في صنائعهم عندي، ولا عند أبي فإن وجدت لي في ذلك عذرًا، وإلا فلم كنت مع ابتداء أمري نازلًا مع أبي في داره، فكان لا يزال يجري بين غلماني وغلمانه، وجواري وجواريه الخصومة كما تجري بين هذين الطبقات فيشكونهم إليه، فيبين الضجر في وجهه فاستأجرت دارًا واسعة، فلم أرض ما معي من الآلات لها لمن يدخل إلي من إخواني أن يرى مثله عندي، وفكرت في ذلك، وكيف أصنع فيه، وزاد فكري حتى خطر بقلبي فتح الأحدوثة من نزول مثلي في داره بأجرة، وأني لا آمن في وقت أن يستأذن علي وعندي بعض الرؤساء والأصدقاء الذي أحتشمهم، ولا يعلمون حالي، فيقول صاحب دارك أو توجه في وقت فيطلب أجرة الدار، وعندي من أستحشمه، فضاق بذلك صدري ضيقًا عظيمًا حتى جاوز الحد، فأمرت غلماني بأن يسرج لي حمارًا كان عندي؛ لأمضي إلى الصحراء أتفرج فيها مما دخل إلى قلبي. فأسرجه وركبت برداء ونعل فأفضى بي المسير وأنا مفكر لأميّز الطرق التي أسلك فيها وهجم بي على باب يحيى بن خالد، فوثب غلمانه إلي وقالوا: أين هذا الطريق، فقلت: إلى الوزير، فدخلوا فاستأذنوا وخرج إلي الحاجب، فأمرني بالدخول، وبقيت خجلًا قد وقعت في أمرين قبيحين، إذ دخلت عله برداء ونعل، وأعلمته أني قد قصدته في تلك الحال، كان سوء أدب، وإن قلت له: إني كنت مجتازًا، ولم أقصدك، فجعلتك طريقًا كان قبيحًا، ثم عزمت على صدقه؛ فلما رآني تبسم، وقال: ما هذا الزي يا أبا محمد؟ احتسبنا لك بالبر والقصد والتفقد، ثم علمنا أنك جعلتنا طريقًا، فقلت: لا والله يا أيها الوزير، ولكني أصدقك، قال: هات فأخبرته بالقصة من أولها إلى آخرها، فقال: هذا أحق مستوى، فهذا شغل قلبك؟ قلت: أي والله وزاد فقال: لا تشغل قلبك بهذا يا غلام ردّ حماره، وهاتوا خلعة، فجاؤني بخلعة من ثيابه تامة فلبستها، وجيء بالطعام، فأكلنا، ووضع النبيذ، فشربت، وشرب، وغنيته، ثم دعا بدواةٍ ورقعةٍ، فكتب أربع رقعات، فظنت بعضها توقيعًا لي بجائزة، فإذا هو قد دعا بعض وكلائه، فساره بشيء، فزاد طمعي في الجائزة، ومضى الرجل، وجلسنا نشرب، وأنا أنتظر، فلا أرى شيئًا إلى العتمة، ثم اتكأ يحيى فنام، وقمت من عنده وأنا منكسر خائب فخرجت وقدم إلي حماري، فلما عاودت الدار قال لي غلامي … قال: قد بيعت، وأشهد على صاحبها، وابتيع الدرب كله،

<<  <  ج: ص:  >  >>