للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الموصلي يسأله أن يصير إليه، ويعلمه الحال في اجتماعنا عنده، فكتب إليه: لا تنتظروني في الأكل؛ فإني قد أكلت، وأنا أصير إليكم بعد ساعة، فأكلنا وجلسنا نشرب حتى قربت صلاة العصر، ثم وافى إسحاق، وجاء غلامه بقطر ميز بنبيذ، فوضعه ناحية، وأمر صاحب الشراب بإسقائه منه، وكان علوية يغني الفضل صوتًا اقترحه عليه وأعجبه، وهو (١): [من الطويل]

فإن تعجبي أو تنظري الدهر ضَمَّني … بأخْدَانِهِ ضَمَّ المُقصَّصِ بالجلم

فقد أترك الأضياف يبدى رحالهم … وأكرمُهُمْ بالبحص الناصلِ الشَّيْمِ

فقال إسحاق: أخطأت يا أبا الحسن في قسمة هذا البيت، وأنا أصلحه له، فجنَّ علوية، واغتاظ، وقامت قيامته، فأقبل عليه إسحاق، وقال: يا حبيبي ما أردت الوضع منك بما قلت لك، وإنما أردت تهذيبك وتقويمك؛ لأنك منسوب في الصواب والخطأ إلى أبي وإليَّ، فإن كرهت ذلك تركتك وقلت لك: أحسنت، وأجملت، فقال له علوية: والله ما هذا أردت إلا ما تتركه أبدًا من سوء عشرتك، أخبرني عنك حين تجيء هذا الوقت لما دعاك الأمير، وعرفك أنه قد نشط للاصطباح، ما حملك على الترفع من مباكرته وخدمته؟ أمن شغل؟، فمما [لا] يشغل عنه بشيء إلا الخليفة بحبه معك قطر ميز نبيد ترفعًا عن شرابه، كما ترفعت عن طعامه ومجالسته، وترى أنك تحبه كما تشتهي حتى يبسطكما الأكفاء، ثم تعمد إلى صوت قد اشتهاه واقترحه وسمعه جميع من حضر فما عابه أحد فعتبه! ليتم تنغيصك إياه لذته؛ والله لو أن الفضل بن يحيى وأخاه جعفرًا - لا والله بل بعض أتباعهم - دعاك إلى مثل ما دعاك إليه الأمير، لبادرت وباكرت، وما تأخرت، ولا اعتذرت.

قال: وأمسك الفضل إعجابًا مما خاطب علوية إسحاق، فقال له إسحاق: أما ما ذكرته من تأخري إلى الوقت الذي حضرت فيه، فهو يعلم أني لا أتأخر عنه إلا بعائق قاطع إن وثق بذلك مني، وإلا ذكرت الحجة سرًا من حيث لا يكون لك فيه مدخل، وأما ترفعي عنه، فكيف أترفع عنه؟ وأنا أنتسب إلى صنائعه، واستميحه، وأعيش في فضله مذ كنت. وهذا تضريب منك لا أبالي به، وأما حملي النبيذ معي فإنّ لي في النبيد شربًا من طعمه إن لم أجده، فلم أقدر على ذلك الشرب منه، وينغص علي يومي أجمع، وإنما حملته ليتم نشاطي، فينتفع بي، وأما طعني على ما اختاره، فإني لم أطعن على اختيار. وإنما أردت تقويمك، ولست والله تراني متتبعًا لك بعد اليوم، ولا


(١) الأغاني ٥/ ٣١٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>