فبلغ خبره أبا دلف فوجه إليه ألف دينار.
وكان أبو دلف لكثرة عطائه قد ركبه الديون، واشتهر ذلك عنه، فدخل عليه بعضهم وأنشده (١): [من الوافر]
أيا رَبَّ المنائح والعَطايا … ويا طَلْقَ المُحيا واليدين
لقدْ خُبّرتُ أَنَّ عليك دينًا … فَزِدْ في رقم دينكَ واقضِ دَيْنِي
فوصله، وقضى دينه.
ودخل عليه بعض الشعراء وأنشده (٢): [من البسيط]
الله أجرى مِنَ الأرزاق أكثَرَها … على يديك بعلم يا أبا دُلَفِ
ما خط لا كاتباه في صحيفته … كما تخطط لا في ساشرِ الصُّحُفِ
باري الرياح، فأعطى وهي جارية … حتّى إذا وَقَفَتْ أَعطى ولمْ يَقِفِ
وكان أبوه قد شرع في عمارة مدينة الكرج، وأتمها هو، وكان بها أهله وعشيرته وأولاده، وكان قد مدحه بها بعض الشعراء، فلم يحصل منه ما في نفسه، فانفصل عنه وهو يقول (٣): [من الطويل]
دعيني أجوب الأرض في فلواتها … فما الكرج في الدنيا ولا النَّاسُ قاسم
وهذا مثل قول بعضهم (٤): [من البسيط]
فإِنْ رِجَعْتُمْ إلى الإحسان فهوَلَكُمْ … عبد كما كان مطواع ومذعان
وإِنْ أَبَيْتُمْ فأرض الله واسعة … لا الناسُ أنتم ولا الدُّنيا خُراسان
ولما قدم أبو دلف من الكرج، صنع الأمير علي بن عيسى بن ماهان مائدة، ودعاه إليها، وكان قد احتفل بها غاية الاحتفال، فجاء بعض الشعراء؛ ليدخل الدار على ابن عيسى، فمنعه البواب، فتعرض الشاعر لأبي دلف، وقد قصد دار علي بن عيسى، وبيده جزازة، فناوله إياها، فإذا فيها (٥):
قل له إن لقيتَهُ … مُتَأَن بلا وَهَجْ
جئت في ألف فارس … لغداء مِنَ الكَرَج
ماعلى الناس بعدها … في الدناءاتِ مِنْ حَرج
فرجع أبو دلف، وحلف أنه لا يدخل الدار، ولا يأكل منها شيئًا؛ وقيل: إن
(١) وفيات الأعيان ٤/ ٧٥.
(٢) وفيات الأعيان ٤/ ٧٦.
(٣) وفيات الأعيان ٤/ ٧٦.
(٤) وفيات الأعيان ٤/ ٧٦.
(٥) وفيات الأعيان ٤/ ٧٧.