وقيل إنَّ أبا دلف لما مَرِضَ مَرَضَ موته، حجبَ الناس عن الدخول إليه، لثقل مرضه، فاتفق أنه أفاق في بعض الأيام، فقال لحاجبه: من بالباب من المحاويج؟ فقال: عشرة من الأشراف، قد وصلوا من خراسان، ولهم بالباب عدة أيام، لم يجدوا طريقًا، فقعد على فراشه واستدعاهم؛ فلما دخلوا، رحب بهم، وسألهم عن أحوالهم، وبلادهم، وسبب قدومهم، فقالوا: ضاقت بنا الأحوال، وسمعنا بكرمك، فقصدناك، فأمر خازنه، بإحضار بعض الصناديق، وأخرج منه عشرين كيسًا، من كل كيس ألف دينار، ودفع إلى كل واحد منهم كيسين، ثم أعطى كل واحد منهم مؤونة طريقه، وقال لهم: لا تمسوا الأكياس حتى تصلوا بها سالمة إلى بلادكم، واصرفوا هذا في مصالح الطريق. ثم قال: ليكتب لي كل واحد منهم خطه أنه فلان بن فلان حتى ينتهي إلى علي بن أبي طالب ﵁ ويذكر جدته فاطمة بنت رسول الله ﷺ، ورضي الله عنها - ثم يكتب: يا رسول الله إني وجدت إضاقة وسوء حال في بلدي، فقصدت أبا دلف العجلي، فأعطاني ألفي دينار كرامة لك، وطلبًا لمرضاتك، ورجاء لشفاعتك. فكتب كل واحد منهم ذلك، وتسلم الأوراق، وأوصى من يتولى تجهيزه إذا مات أن يضع تلك الأوراق في كفنه حتى يلقى بها رسول الله ﷺ ويعرضها عليه.
وحكي عنه أنه قال: من لم يكن مغاليًا في التشيع فهو ولد زناء، فقال ولده دلف له: يا أبتي لست على مذهبك، فقال له أبوه: لما وطئت أمك، وعلقت بك ما كنت بعد استبرأتها، فهذا من ذلك؛ والله أعلم.
ومع هذا فقد حكى جماعة من أرباب التاريخ: أن دلف بن أبي دلف قال: رأيتُ في المنام آتيًا أتاني، فقال لي: أجب الأمير، فقمت معه، فأدخلني دارًا وحشة وعرة سوداء الحيطان مغلقة السقوف والأبواب، وأصعدني على درج منها، ثم أدخلني غرفة منها في حيطانها أثر النيران، وإذا في أرضها أثر الرماد، وإذا بأبي وهو عريان، واضع رأسه بين ركبتيه، فقال لي كالمستفهم: دلف؟، فقلت: دلف، فأنشأ يقول (١): [من الخفيف]
أبلغن أهلنا ولا تُخْفِ عَنْهُمْ … ما لَقِينا في البَرْزَخَ الخَنَّاقِ
قدْ سُئِلنا عَنْ كُلِّ ما قَدْ فَعَلْنا … فَارْحَمُوا وحشتي وما قَدْ أُلاقي