ثم قالت لأشعب: اذهب إلى عزة الميلاء (١)، فأقرئها السلام، وأعلمها أن عُبيدًا عندنا، فلتأتنا متفضلة بالزيارة، فأتاها أشعب، فأسرعت المجيء، فتحدثوا باقي ليلهم، ثم أمرت عبيدًا وأشعب، فباتا في حجرة مع مواليها؛ فلما أصبحت هيئ لهم غداؤهم، وأذن لابن سريج، فدخل فقعد بالقرب منها مع أشعب في مواليها، وقعدت هي مع عزّة وخواص جواريها؛ فلما فرغوا من الغداء قالت: يا عزّة إن رأيت أن تغنينا، قالت: إي وعيشك. فعنت لحنها في شعر عنترة العبسي (٢): [من الكامل]
حيِّيتَ مِنْ ظَلَلٍ تقادَمَ عهدُهُ … أَقْوَى وأقفرَ بَعْدَ أُم الهيثم
إن كنتِ أَزْمَعْتِ الفِراقَ فَإِنَّما … زُمَّتْ ركابكُم بليل مظلم
فقال ابن سريج: أحسنت والله يا عزّة، وأخرجت سكينة الدملج الآخر من يدها فرمت به إلى عزّة، وقالت: صيري هذا في يدك، ففعلت، ثم قالت لعبيد: هات فغناها، فقالت: أحسنت ما سمعت البارحة. فقالت: لا بد أن تغنينا في كل يوم لحنًا؟ فلما رأى ابن سريج أنه لا يقدر على الامتناع غنّى (٣): [من البسيط]
قالت: مَنْ أنتَ على ذكر فقلتُ لها … أنا الذي ساقَهُ للحَيْنِ مقدار
قد حان منك فلا يبعد بكِ الدَّارُ … بين وفي البَيْنِ للمتبول إضرار
ثم قالت لعزّة في اليوم الثاني: أغنّي، فغنت لحنها في شعر الحارث بن خالد المخزومي (٤): [من الطويل]
وقرَّتْ بها عيني وقد كنتُ قبلها … كثيرًا بكائي مشفقًا من صُدُودِها
وبشرة جود مثل تمثال بَيْعَةٍ … تَظَلُّ النَّصارى حولها يوم عيدها
فقال ابن السراج: والله ما سمعت مثل هذا حسنًا قط وطيبًا، ثم قالت لابن سريج: هات فغنّي بشعر عمر بن أبي ربيعة (٥): [من مجزوء الوافر]
أَرِقْتُ فلمْ أَنَمْ طَرَبا … وَبِتُّ مُسمَّدًا نصبا
لِطَيْفِ أَحَبٌ خَلْقِ اللهِ … إنسانًا وإنْ غَضِبا
فلم أَرْدُدْ مقالتها … ولم أك عاتبًا عَتَبا
فقالت سكينة: قد علمتُ ما أردت بهذا، قالت: وقد شفعناك وإنما كانت يميني على ثلاثة/ ٧٢ أيام، فاذهب في حفظ الله وكلاءته، ثم قالت لعزة: إذا شئت. وأمرت
(١) سترد ترجمتها برقم (٥٧).
(٢) ديوانه لمولوي ١٨٥.
(٣) الشعر لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ٤٩٥.
(٤) شعره ٧٥.
(٥) ديوانه ٤٨٥.