للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

معي إليها، لأصرخ صرخة ثانية لا يبقى بالمدينة أحد إلا صار بالباب، ثم لأفتحنه ولأرينهم ما بي، ثم أُعْلِمَنَّهُم أنك أردت أن تفعل كذا وكذا بفلان - يعني غلامًا كان لابن سريج شهر به -ومنعتك وخلصت الغلام من يدك حتى فتح الباب ومضى، ففعلت بي هذا غيظًا وتأسفًا، وأنك إنما أظهرت النسك والقراءة، لتظفر بحاجتك منه، وأهل مكة والمدينة يعلمون بحاله، فقال ابن سريج أغرب خزاك الله، فقال أشعب: والله الذي لا إله إلا هو، وإلا فما أملك صدقة وامرأته طالق ثلاثًا إن أنت لم تنهض معي في هذه الليلة لأفعلن، فلما رأى ابن سريج الجدّ منه، قال لصاحبه: ويحك ما ترى ما وقعنا فيه؟، وكان صاحبه الذي نزل عليه ناسكًا، فقال: ما أدري ما أقول فيما وقع بنا من هذا الخبيث، وتذمم ابن سريج من الرجل صاحب المنزل، وقال لأشعب: أخرج من منزل الرجل، فقال: رجلي مع رجلك، فخرجا فلما صارا ببعض الطريق، قال ابن سريج لأشعب: امض عنّي، قال: والله لئن لم تفعل ما قلت، لأصيحن الساعة حتى يجتمع الناس، ولأقول: إنك أخذت مني سوارًا من ذهب لسكينة على أن تجيئها، فتغنيها سرًا، وأنك كابرتني عليه وجحدتني، وفعلت بي هذا الفعل. فوقع ابن سريج فيما لا حيلة فيه، فقال: امض لا بارك الله فيك، فمضى معه، فلما صارا إلى باب سكينة، قرع الباب، فقيل: من هذا؟، فقال أشعب: جاء ابن سريج، ففتح الباب، ودخلا إلى حجرة من دار سكينة، فجلسا ساعة، ثم أذن لهما، فدخلا إلى سكينة،، فقالت: يا عبيد ما هذا الجفاء؟ فقال: قد علمت بأبي أنت وأمي ما كان مني، قالت: أجل فتحدث ساعة وقص عليها ما صنع أشعب، فضحكت وقالت: لقد أذهب ما كان مني عليه، وأمرت لأشعب بعشرة دنانير وكسوة، ثم قال لها ابن سريج: أتأذنين بأبي أنت وأمي؟، قالت: وأين تريد؟، قال: المنزل، قالت: برئت من جدي إن برحت من داري ثلاثة أيام، وبرئت من جدي إن لم تغن إن خرجت من داري شهرًا، وبرئت من جدي إن أقمت في داري شهرًا إن لم أضربك كل يوم عشرًا، وبرئت من جدي إن حنثت في يميني إن شفعت فيك أحدًا، قال عبيد: واسخنة عيناه، واذهاب توبتاه، وافضيحتاه، ثم اندفع يغني (١): [من الخفيف]

أستعين الذي بكفيه نفعِي … ورجائي على التي قتلتني

قالت سكينة: هل عندك من صبر؟ ثم أخذت دملجًا من ذهب كان في عضدها، وزنته أربعون مثقالًا فرمت به إليه، فقالت: أقسمت عليك لما أدخلته في يدك، ففعل،


(١) البيت لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ٥٠٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>