للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال مصعب الزبيري: حدثني شيخ من المكيين قال: كان ابن سريج قد أصابه الريح الجنبية، فألى يمينًا أن لا يغني، ونسك، ولزم المسجد حتى عوفي، ثم خرج، وبه بقية من العلة، فأتى قبر النبي وموضع مصلاه؛ فلما قدم المدينة، نزل على بعض إخوانه من أهل النسك والقراءة، وكان أهل الغناء يأتونه فيسلمون عليه، ولا يأذن لهم في الجلوس بالمحادثة له، فأقام بالمدينة حولًا حتى لم يحس في علّته بشيء، وأراد الشخوص، فبلغ سكينة بنت الحسين فاغتمت اغتمامًا شديدًا، وضاق صدرها، وكان أشعب يخدمها وكانت تأنس به وتضاحكه، فقالت: ويلك إن ابن سريج شاخص، وقد دخل المدينة منذ حول، ولم أسمع من غنائه لا قليلًا ولا كثيرًا، وتعذر ذلك عليّ، فكيف الحيلة في الاستماع منه، ولو صوتًا واحدًا؟، فقال لها أشعب: جعلني الله فداك، أنى لك بهذا والرجل زاهد، ولا حيلة لك فيه؟ فارفعي طمعك، والحسي بوزك حلاوة فمك، فأمرت بعض جواريها، فوطئت بطنه حتى كادت تخرج أمعاؤه، وخنقته حتى كادت تزهق روحه، ثم أمرت فسحب على وجهه حتى أخرج من الدار إخراجًا عنيفًا، فخرج، واغتم غمًا شديدًا، وندم على ممازحتها في وقت لم ينبغ له ذلك فيه. فأتى منزل ابن سريج ليلًا فطرقه. قيل له: من هذا؟، قال: أشعب، ففتحوا له، فرأى على وجهه ولحيته التراب والدم سائل من أنفه وجبهته على لحيته، وثيابه ممزقة، وبطنه وصدره وقد عصرهما الدوس والخنق، ومات الدم فيهما، فنظر ابن سريج إلى منظر فظيع هاله وراعه، فقال: ما هذا ويحك؟ فقص عليه قصته، فقال ابن سريج: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (١)، ماذا نزل بك، والحمد لله الذي سلّم نفسك، لا تعودن إلى هذا أبدًا، قال أشعب: فديتك هي مولاتي ولا بد لي منها ولكن هل لك حيلة في أن تصير إليها وتغنيها، ويكون ذلك سببًا إلى أن ترضى عني؟ قال ابن سريج. لا يكون ذلك أبدًا بعد أن تركته. قال أشعب: فديتك قد قطعت أملي، ورفعت رزقي، وتركتني حيران في المدينة لا يقبلني أحد، وهي ساخطة علي، فالله الله، وأنا أنشدك الله أن تحملت هذا الأمر، وإن كان إثمًا. فقال ابن سريج والله لا يكون ذلك أبدًا. فلما رأى أشعب أن ابن سريج قد تم على الامتناع، قال في نفسه: لا حيلة لي وهذا خارج، وإن خرج، فصرخ صرخة أذن لها [أهل] المدينة ونبه الجيران من رقادهم، وأقام الناس من فرشهم؛ ثم سكت، فلم يدر الناس ما القضية عند خفوت الصوت، بعد أن قد راعهم، فقال ابن سريج: ويلك ما هذا؟. قال: والله لئن لم تصر


(١) سورة البقرة: الآية ١٥٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>