قال إسحاق: كان ابن سريج عند بستان ابن عامر فغنى بلحنه في هذا الشعر (١):
[من مجزوء الوافر]
لِمَنْ نَارٌ بأعلى الخِبـ … ـتِ دُونَ البَيْنِ مَا تَخْبُو
أَرِقْتُ لذكرِ مَوقِعِها … فَحَنَّ لذكرها القَلْبُ
فجعل الحُجَّاج يركب بعضهم بعضًا حتى جاء إنسان من آخر القصرات، فقال: يا هذا قد قطعت على الحجاج، وحبستهم، والوقت ضاق فاتق الله، وقم عنهم، فقام وسار الحجاج.
قال إسحاق، قال ابن معمر: دخلت على ابن سريج في مرضه الذي مات فيه، فقلت: كيف أصبحت يا أبا يحيى؟، قال: أصبحتُ والله كما قال الشاعر (٢):
[من الوافر]
كَأنّي مِنْ تَذكَّر ما أُلاقي … إذا ما أَظْلَمَ اللَّيلُ البَهِيمُ
سقيمٌ مَلَّ منه أَقاربُوهُ … وأَسْلَمَهُ المُداوي والحَمِيمُ
ثم مات.
قال إسحاق:، قال ابن لقمة: لما احتضر ابن سريج، نظر إلى بنته تبكي فبكى، وقال: إن من أكبر همي أنت وأخشى أن تضيعي بعدي، قالت: لا تخف، فما غنيت شيئًا إلا وأنا أغنيه، قال: هاتي، فاندفعت تغني أصواتًا، وهو مصغ إليها، فقال: أصبت ما في نفسي، وهونت عليّ أمرك، ثم دعا سعيد بن مسعود الهذلي فزوجه إياها، فأخذ عنها أكثر غناء أبيها وانتحله، فهو الآن ينسب إليه.
قال إسحاق: وأخبرني هشام بن المرته: أنَّ قادمًا قدم المدينة، فسار معبدًا بشيء، فقال معبد أصبحت أحسن الناس غناء، فقلنا أو لم تكن كذلك، قال: لا، ثم قال: أتدرون ما خبرني به هذا؟ قالوا: لا، قال: أعلمني أن عبيد بن سريج مات، ولم أكن أحسن الناس غناء، وهو حي.
قال إسحاق، قال كثير بن كثير السهمي يرثيه (٣): [من البسيط]
ما اللهو عِنْدَ عُبَيْدٍ حِينَ تُخبرُهُ … مَنْ كَانَ يَلْهُو بِهِ مِنهُ بمطلب
للهِ قَبْرُ عُبيد ما تضمَّنهُ … مِنْ لذَّةِ العيش والإحسانِ والطَّرَبِ
لو الغريضُ ففيهِ مِنْ شَمائِلِه … مَشَابِهُ لَمْ أَكُنْ فِيهِ بذي أرَبِ
(١) الاغاني ١/ ٣٠٥.
(٢) الاغاني ١/ ٣٠٧.
(٣) الأغاني ١/ ٣٠٧ - ٣٠٨.