للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال: وكان الأحوص يرمى بالأبنة، فانصرف، فبعث إليهم بتمر وفاكهة، وأقبلنا على جرير نساءله، وألح عليه أشعب، فقال له: والله إني لأراك أقبحهم وجهًا وأظنك ألأمهم حسبًا، وقد أبرمتني منذ اليوم، فقال: إني والله أنفعهم لك، قال: ويحك وكيف ذلك؟، قال: إني أملح شعرك، وأجيد مقاطعه ومبادئه، قال: قل ويحك فاندفع، فنادى بلحن ابن سريج (١): [من الكامل]

يا أخت ناجية السَّلامُ عليكم … قبل الرحيل وقبل لوم العُذَّلِ

لو كنتُ أعلم أنَّ آخرَ عهدِكُمْ … يومُ الرَّحيلِ فعلتُ ما لَمْ أَفْعَلِ

فطرب جرير، وجعل يزحف حتى مسَّتْ ركبته ركبته، وقال: لعمري، لقد صدقت إنك لأنفعهم لي ولقد حسنته، وأجهدته، وأحسنت والله، ووصله وكساه، فلما رأينا إعجاب جرير بذلك الصوت، قلنا له: كيف لو سمعت واضع هذا؟ قال: وإن له واضعًا غير هذا؟ قلنا: نعم، قال: وأين هو؟ قلنا بمكة، قال: فلست بعازم حجًا حتى أبلغه. فمضى ومضى معه جماعة ممن يرغب في طلب الشعر في صحابته، وكنت فيهم، فقدمنا مكة، فأتيناه جميعًا، فإذا هو في فتية من قريش كأنهم المها مع ظرف كثير فرحبوا به، وأدنوا مجلسًا وسألوه عن الحاجة، فأخبرناهم الخبر فرحبوا بجرير، وأدنوه، وسروا بمكانه وعظم ابن سريج موضع جرير، وقال: سل ما تريد جعلت فداك [قال: أردت] أن تغنيني لحنًا سمعته بالمدينة أزعجني إليك، قال: وما هو؟ قال:

يا أخت ناجية السلام عليكم …

فغناه ابن سريج، وبيده قضيب يوقع به وينكت فوالله ما سمعت شيئًا أحسن من ذلك، فقال جرير: لله دركم يا أهل مكة. ماذا أعطيتم؟ والله لو أن نازعًا نزع إليكم ليقيم بين أظهركم يسمع هذا صباحًا ومساء، كان أعظم الناس حظًا ونصيبًا. وكيف، ومع هذا بيت الله الحرام، ووجوهكم الحسان، ورقة ألسنتكم، وحسن شارتكم، وكثرة فوائدكم.

قال إسحاق: كان ابن سريج جالسًا، فمر به عطاء، وابن جريج، فحلف عليهما بالطلاق أن ينغنيهما على أنهما إن نهياه عن الغناء بعد أن يسمعا منه تركه أبدًا، فوقفا له، وغناهما (٢): [من المديد]

أُخوتي لا تبعدوا أبدًا … وبَلَى والله قد بعدوا

فغشي على ابن جريج، وقام عطاء، فوقف.


(١) الشعر لجرير في ديوانه ٤٩٠.
(٢) الاغاني ١/ ٣٠٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>