فأحسن فيه، فقلت: يا أبا سعيد، فغنني: لقد طفت سبعًا، قال: أو أغنيك ما هو أحسن منه، فقلت: أنت وذاك، فغنّى فاندفع وقال (١): [من الكامل]
قدم الطويل فأشرقت واستبشرت … أرض الحجاز وبان في الأشجار
إنَّ الطويل من آل حفص فاعلموا … ساد الحضور وساد في الأسفار
فأحسن فيه، فقلت: أحسنت يا أبا سعيد فغنني: لقد طفت سبعًا، فقال: أو أغنيك ما هو أحسن (٢): [من الخفيف]
أَيُّها السائل الذي يَخْبِطُ الأَر … ضَ دَعِ الناس أجمعين وراكا
وأت هذا الطويل مِنْ آلِ حفصٍ … إنْ تخوفت غفلة أو هلاكا
فأحسن فيه، فقلت: غنّ: قد طفت سبعًا، فقد أحسنت فيما غنيت، ولكني أحب أن تغنيني ما سألتك فيه، فقال: لا سبيل إلى ذلك؛ لأني رأيت النبي ﷺ في منامي وفي يده شيء لا أدري ما هو؛ وقد رفعه ليضربني به، وهو يقول: يا أبا سعيد لقد طفت سبعًا ما صنعت بأمتي هذا الصوت فقلت: بأبي أنت وأمي اغفر لي، فوالذي بعثك بالحق نبيًا لا غنيت هذا الصوت أبدًا، فردّ يده عني، وقال: عفا الله عنك أبدًا، ثم انتبهت وما كنت لأعطي رسول الله ﷺ شيئًا في منامي فأرجع فيه في يقظتي. قال إسحاق: فبكيت وقلت: لا تعد أبا سعيد في غنائه، فقال شيئًا إذا أردت أن تسمعه، فاسمعه من جارية البرامكة، فودعته وانصرفت.
قال إبراهيم بن المهدي: كنت بمكة في المسجد الحرام فإذا شيخ قد طلع، وقد قلب إحدى نعليه على الأخرى، فسألت عنه، فقلت: من هذا؟، فقيل: هو أبو سعيد مول فائد، فقلت لبعض الغلمان: احصبوه، فحصبوه، فأقبل علي، وقال: ما يظن احدكم إذا دخل المسجد إلا أنه له، فقلت للغلام: ما يقول لك أبلغني، فقال له أبو سعيد: ومن مولاك حفظك الله؟، فقال: مولاي إبراهيم بن المهدي، فقام فجلس بين يدي، فقال: لا والله بأبي أنت وأمي ما عرفتك، فقلت: لا عليك أخبرني هذا الصوت (٣): [من المتقارب]
أفاض المدامع قبلي الكَرَى … وقيل بكيرة لم تُرمس
فقال: هو لي، وربّ هذا البيت لا تبرح حتى تسمعه، ثم قلب إحدى نعليه وأخذ
(١) الأغاني ٤/ ٣٢٨. (٢) الأغاني ٤/ ٤٢٨ - ٤٢٩. (٣) الأغاني ٤/ ٣٣٣.