فاضطجعت، وكل واحد منهما يمشي خطوة، ويتلفت إلى صاحبه فجاء بعدما أصبحا فرفع برديه ثم قال: يا أخا بني حنظلة حتى متى تنام، فقمت وتوضأت وصليت، وأعانني عليها وهو أظهر الناس سرورًا، ثم دعوته إلى الغداء فتغدينا، ثم قام إلى عيبته ففتحها، فإذا فيها السلاح وبردان مما كسته الملوك، فأعطاني أحدهما، وقال: والله لو كان معي شيء ما ادخرته عنك، وحدثني حديثه، وانتسب إليّ فإذا جميل بن معمر، والمرأة بثينة، وقال لي: إني قد قلت أبياتًا في منصر في من عندهها، فهل لك في أن أنشدها لك، قلت: نعم (١).
وما أنس ملأشياء لا أنس قولها … وقد قربت نضوى أمصر تريد
الأبيات
ثم ودعني وانصرفت، فمكث حتى أخذت إبلي مراتعها، ثم عمدت إلى دهن كان معي فدهنت به رأسي، ثم ارتديت بالبردة، وأتيت المرأة، فقلت: السلام عليكم، إني جئت أمس طالبًا، وجئت اليوم زائرًا، فتأذنون؟، فقالت: نعم فجعلت جارية تعول: يا بثينة عليه برد جميل، فجعلت أثني على ضيفي وأشكره، فقلت: إنه ذكرك، فأحسن الذكر، فهل أنت بارزة حتى أنظر إليك، قالت: نعم فلبست ثيابها، ثم برزت، ودعت لي بمطرف وقالت: يا أخي بني تميم والله ما ثوباك هذان بمشبهين، ودعت بعيبتها، وأخرجت لي ملحفة مروية مشبعة من العصفر، ثم قالت: أقسمت عليك لتقومن إلى كسْرِ البيت، لتلتحفن مدرعتك، ثم لتزرّن بهذه الملحفة فهي أشبه ببردك، فقمت ففعلت، وأخذت مدرعتي بيدي، فوضعتها إلى جانبي، وأنشدتها الأبيات، فدمعت عيناها، وتحدثنا طويلًا من النهار، ثم انصرفت إلى إبلي بملحفة بثينة وبردة جميل ونظرة من بثينة. قال: فجزيت الشيخ خيرًا، وانصرفت من عنده، وأنا أحسن الناس حالًا بنظرة إلى الغريض، واستماع غنائه، وعلم بحديث جميل وبثينة فيما غنيت أنا به، وفيما غنى به الغريض على حق ذلك وصدقه، فما رأيت قط، ولا سمعت بزوجين أحسن من جميل وبثينة، ومن الغريض ومني.
قال: قدم الوليد بن عبد الملك مكة، فأراد أن يأتي الطائف، فقال: هل من رجل عالم يخبرني عنها؟ فقالوا: عمر بن أبي ربيعة، قال: لا حاجة لي به، ثم دعا فسأل، فذكروه إياه، ثم دعا فذكروه إياه، فقال: هاتوه فأتوا به فركب/ ٢٤/ معه، ثم جعل يحدثه، ثم حول عمر رداءه ليصلحه على نفسه فإذا على ظهره أثر، فقال الوليد: ما هذا الأثر؟ فقال: كنت عند جارية لي إذ جاءتني جارية برسالة جارية أخرى، وجعلت تسارني، فعضت التي كنت عندها منكبي فما وجدت ألم عضها من لذة ما كانت تلك