للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

حتى انتصف النهار، وآذاني حرّ الشمس، وعطشت وفرغت من البيوت، وذهبت لأنصرف، فحانت مني التفاتة فرأيتُ ثلاثة أبيات، فقلت: ما عند هؤلاء إلا ما عند غيرهم، ثم قلت لنفسي: سوءةً ونوّى زعم أن حاجته تعدل مالي ثم أتيته فأقول: عجزت عن ثلاثة أبيات: فانصرفت عائدًا إلى أعظمها بيتًا، فإذا هو قد أرخى مقدمه ومؤخره، فسلمت فرد علي السلام، وذكرت لهم ضالتي، فقال: يا عبد الله قد أصبت ضالتك وما أظنك إلا وقد اشتد عليك الحر، واشتهيت الشراب، فقلت: أجل، فدخلت فأتتني بصحفة فيها تمر من تمر هجر، وقدح فيه لبن، والصحفة مصرية، والقدح مفضض لم أر إناء قط أحسن منه، فقالت: دونك، فأكلتُ وشربتُ من اللبن حتى رويت، ثم قلت: يا أمة الله ما أنست اليوم أكرم منك، ولا الحق بالفضل، فهل ذكرت من ضالتي ذكرًا، فقالت: أجل ترى هذه الشجرة فوق الشرف؟، قلت: نعم قال: فإن الشمس غربت أمس وهي تطيف حولها، ثم حال الليل بيني وبينها، فقمت وجزيتها الخير، وقلت: والله لقد تغديت وترويت، فخرجت حتى أتيت الشجرة، فأطفت بها، فوالله ما رأيت من أثر، فانصرفت إلى صاحبي فإذا هو متشح في الإبل بكسائه ورافع عقيرته يغني، فقلت: السلام عليك، قال: وعليك السلام. قال: ما وراءك؟ قلت: ما ورائي من شيء. قال: لا عليك، فأخبرني بما فعلت. قال: فقصصت عليه القصة حتى انتهيت إلى ذكر المرأة، وأخبرته بالذي صنعت. قال: قد أصبت ضالتك، فوجبت من قوله، ولم أجد شيئًا، ثم سألني عن صفة القدح والصحفة، فوصفتها له، فتنفس الصعداء، ثم قال: أصبت طلبتك، ثم ذكرت له الشجرة، وأنها رأتها تطيف بها، فقال: حسبك فمكثت حتى إذا أوت أبلي إلى مباركها دعوته إلى العشاء، فلم يدن وجلس عني بمزجر الكلب؛ فلما ظنّ أني قد نمت رمقته، فقام إلى عيبة له، فاستخرج منها بردن، فاتزر بأحدهما، وارتدى بالآخر، ثم انطلق عامدًا نحو الشجرة، واستبطنت الوادي فجعلت أحضر حتى إذا خفت أن يراني، أشحطت فلم أزل كذلك حتى سبقته إلى شجرات قريبة من تلك الشجرة حيث أسمع كل منهما، فاستترت بهنّ، وأقبل حتى إذا كان غير بعيد، قالت: اجلس. فوالله لكأنه لصق بالأرض، فسلم عليها وسألها عن حالها أكرم سؤال ما سمعته قط، وأبعده من كل ريبة، وسألته عن مثل مسألته، ثم أمرت الجارية، فقربت إليه طعامًا، فلما أكل، قالت: أنشدني ما قلت، فأنشدها (١): [من الطويل]

علقتُ الهوى منها وليدًا ولم يزل … إلى اليوم ينمى حبها ويزيد

ولم يزالا يتحدثان ما يقولان فحشًا ولا هجرًا حتى التفتت التفاتة، فرأت الصبح قد طلع، فودع كل منهما صاحبه أحسن وداع سمعته، ثم انصرفا فمضيت إلى إبلي،


(١) البيت لجميل بن معمر، ديوانه ٦٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>