للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كنت غير بعيد فإذا بصائح يصيح: يا معبد انظر أكلمك، فرجعت، فقال لي: إنَّ الغريض يدعوك، فأسرعت فرحًا، فدنوت من الباب، فقال: أتحب الدخول، فقلت: وهل إلى ذلك سبيل؟ فقرعت الباب، فقال لي: ادخل، فدخلت فإذا الشمس طالعة في بيته، فسلّمت فرد علي السلام، ثم قال: اجلسن فجلست فإذا أنبل الناس، وأحسنهم وجهًا وخلقًا، فقال: يا معبد كيف تطربت إلى مكة؟ فقلت: جعلت فداك، وكيف عرفتني؟، قال: بصوتك، قلت: وكيف ولم تسمعه؟ فقال: لما غنيت، عرفتك وقلت: إن كان معبد في الدنيا فهذا، فقلت: جعلت فداك كيف أحسنت بقولك:

وما أنس ملأشياء لا أنس قولَها … وقد قربت نضوي لمصر تُريدُ

فقال: علمت أنك تريد تسمع صوتي:

وما أنس ملأشياء لا أنس شادِنًا … لمكةَ مكحولًا أسيلًا مدامعه

فلم يكن إلى ذلك سبيل؛ لأنّه صوت قد نهيت أن أغنيه فغنّيتك هذا الصوت جوابًا لما سألت، فقلتُ: والله ما عدوت ما أردت، فهل لك من حاجة، فقال: يا أبا عباد لولا ملالة الحديث، وثقل إطالة الجلوس لاستكثرت منك فاعذرني فخرجت من عنده، وإنه لأجل الناس عندي، ورجعت فما رأيت إنسانًا وهو أعظم منه في عيني، وذكرت جميلًا وبثينة، فقلت: لئن أصبت إنسانًا يحدّثني بقصة جميل وقوله هذا الشعر، فسألت عن ذلك، فإذا الحديث مشهور، وقيل: إن أردت أن تخبر بما شاهدته، فأت بني حنظلة؛ فإن فيهم شيخًا منهم يقال له فلان، فيخبرك الخبر، فأتيت الشيخ فسألته، فقال: نعم بينا أنا في إبلي في الربيع إذ أنا برجل منطو على راحلته كأنه جان، فسلم علي ثم قال لي: فمن أنت يا أبا عبد الله - أحد بني حنظلة - قال: فنسبني حتى بلغت فخذي الذي أنا منه، ثم سألني عن بني عُذرة، فقلت: هل ترى ذلك الشيخ فإنهم نزلوا من ورائه، قال: يا أخا بني حنظلة هل لك من معروف تصنعه لي؟ فوالله لو أعطيتني ما أصبحت تسوق إليه من الإبل ما كنت أشكر مني لك عليه، فقلت: ومن أنت أولًا؟ فقال: لا تسألني من أنا، ولا أخبرك، إني رجل بيني وبين هؤلاء القوم ما يكون بين بني العم، فإن رأيت أن تأتيهم، فإنك تجد القوم في مجلسهم، فتنشدهم.

بكرة أدام بحر حفيها عبلاء واسمةً

فإن ذكروا لك شيئًا فذاك، وإلا استأذنتهم في البيوت، وقلت: إنَّ الصبي والمرأة يريان ما لا يرى الرجال، فتنشدهم ولا تدع أحدًا تصيبه عينك، ولا بيتًا من بيوتهم إلا وأنشدتها فيه، فأتيت القوم، فإذا بهم على جزرهم يقسمونها، فسلمت وانتسبت وذكرت لهم ضالتي، فلم يذكروا لي شيئًا، فاستأذنتهم في البيوت، وقلت: إنَّ الصبي والمرأة يريان ما لم ير الرجل، فأذنوا لي، فأتيت أقصى بيت، ثم استقريتها بيتًا بيتًا، فلا يذكرون لي شيئًا

<<  <  ج: ص:  >  >>