للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تفت في أذني حتى بلغت ما ترى، فضحك الوليد، فلما رجع عمر قيل له: ما الذي كنت تضحك به أمير المؤمنين؟، قال: ما زلنا في حديث الزناني حتى رجع.

وكان حمل الغريض معه فقال له: يا أمير المؤمنين إنَّ عندي أجمل الناس وجهًا، وأحسنهم حديثًا، فهل لك أن تسمعه؟، فقال: هاته، فدعابه، فقال له: اسمع يا أمير المؤمنين أحسن شيء قلته، فاندفع يغني بشعر جميل (١): [من الكامل]

إِنِّي لأحفظ سرَّكُمْ ويسركم … لؤ تعلمين بصالح أَنْ تُذكري

ويكون يوم لا أرى لكِ مرسلًا … أَوْ نلتقي فيه عليَّ كأَشْهُرِ

يا ليتني ألقى المنيةَ بَغْتَةً … إِنْ كانَ يوم لقائِكُمْ لَمْ يُقْدَرِ

ما كُنْتُ والوعد الذي تَعِدِينَهُ … إلا كبرقِ سحابة لم تمطر

تُقضى الديون وليسَ يَنْجِزُ عاجِلًا … هذا الغريم لنا وليس بمُعْسِرِ

قال: فاشتد سرور الوليد بذلك، وقال: يا عمر هذه رقيتك، ووصله وكساه حوائجه.

قال: وكانت وفاة الغريض في أيام سليمان بن عبد الملك، أو عمر بن عبد العزيز، ولم يتجاوزها، وكان موته باليمن؛ لأن الوليد كان ولى نافع بن علقمة مكة فهرب منه الغريض، فأقام باليمن، فاستوطنها مدّة، ثم مات بها.

قال عمر بن شبة: زعم المكيون أن الغريض أتى بلادًا من بلاد الجن، فغنى ليلا (٢): [من الهزج]

هُمُ رَكْبٌ لَقِي رَكْبًا … كَمَا قَدْ يُجْمَعُ السَّيْلُ

فصاح به صائح: أكفف يا أبا مروان، فقد سفّهت حلماءنا وأصبيت سفهاءنا قال: فأصبح ميتًا.

قال إسحاق، قال أبو قبيل: رأيت الغريض في عرس أو ختان لبعض مواليه، فقيل له:: تغنَّ، فقال: هو ابن زانية إن فعل، فقال له بعض مواليه: فأنت هو والله كذلك، قال: أفكذلك أنا؟ قال: نعم، قال: أنت أعلم، ثم أخذ الدف، فرمى به، ثم مشي مشية مواليه، لم أر أحسن منها، ثم غنى (٣): [من الطويل]

تشرب لونَ الرازقي بياضُهُ … أو الزعفران خالط المسك رادعة

فجعل يغنيه مقبلًا ومدبرًا حتى التوت عنقه، فخرَّ صريعًا، وما رفعناه إلا ميتًا، فظننا فالجًا عاجله.


(١) دوان جميل بثينة ١٠١ - ١٠٢.
(٢) الأغاني ٢/ ٣٩٣.
(٣) الأغاني ٢/ ٣٩٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>