مختضبة لا شك في ذلك فإذا هو الغريض قد كبر. فقال له ابن أبي عتيق: تشوقنا إليك وأهدى له ما كان معه، ثم قال: نحب أن نسمع:
عوجِّي علينا ربة الهودج ..
فقال: ادع فلانة جارية له فجاءت فغنت، فقال لها: ما صنعت شيئًا، ثم حلّ خضابه وغنّى:
عوجِّي علينا ربة الهودج ..
فما سمعت أحسن منه، فأقمنا عنده أيامًا كثيرة، وخبّازه قائم، وطعامه كثير. ثم قال ابن أبي عتيق: إني أريد الشخوص فلم يبق بمكة تحفة عدني ولا يماني ولا عود إلا أو قربه راحلته، فلما رحلنا وزرنا، صاح به الغريض: هي هي فرجعت إليه، فقال: ألم ترووا عن النبي ﷺ «يحشر من بقيعنا هذا سبعون ألفًا على صورة القمر ليلة البدر» فقال له ابن أبي عتيق: بلى، فقال: هذه من انتزعت فأحبّ أن تدفنها لي بالبقيع، فخرجنا والله ولم ندخل المدينة حتى دفناها بالبقيع.
قال: خرج الغريض مع قوم، فغناهم هذا الصوت (١): [من الطويل]
جرى ناصح بالود بيني وبينها … فقرَّبني يوم الخضاب إلى قتلي
فاشتدّ سرور القوم، وكان معه غلام فأعجبه، وطلب إليهم أن يكلموا الغلام في الخلوة معه، ففعلوا وانطلق مع الغلام حتى توارى بصخرة؛ فلما قضى حاجته أقبل الغلام إلى القوم، وأقبل الغريض يتناول حجرًا حجرًا، ويقرع به الصخرة، ففعل ذلك مرارًا فقالوا: ما هذا يا أبا زيد؟، فقال: كأني بها وقد جاءت يوم القيامة رافعة ذيلها تشهد علينا بما كان معنا إلى جانبها، فأردت أن أجرح شهادتها على ذلك اليوم، والشعر الذي غناه لعمر بن أبي ربيعة (٢): [من الطويل]
جر ناصح بالود بيني وبينها … فقربني يوم الخضاب إلى قتلي
فقالت وأرخَتْ جانب الستر إنما … فتحدث غير ذي رقبة أَهْلي
فقلت لهم: ما بي لهمْ مِنْ تَرَقَّبٍ … ولكن سري ليس يحمله مثلي
قال الزبير: رأيت علماءنا جميعًا لا يشكون في أن أحسن ما يروون في حفظ السر قول ابن أبي ربيعة:
ولكن سري ليس يحملُهُ مثْلِي
قال المدائني: بلغني أن الفرزدق سمع عمر بن أبي ربيعة ينشد هذه القصيدة؛ فلما بلغ إلى قوله:
(١) البيت لعمر بن أبي ربيعة، انظر: ديوانه ص ٣٣٤.
(٢) ديوانه ٣٣٤.