فقُمن وقد أفهمنَّ ذا اللب أنَّما … فعلن الذي يفعلن من ذاك من أجلي
فصاح الفرزدق وقال: والله هذا هو الذي أرادته الشعراء، فأخطأته، وبكت الديار.
قال مصعب الزبيري (١): اجتمع نسوة فذكرن عمر بن أبي ربيعة وشعره وظرفه، وحسن مجلسه وحديثه، فقالت سكينة: أنا لكن، به، فبعثت رسولًا إليه، ووعد الصورين ليلة سمتها له، فوافاها على راحلته، ومعه الغريض، فحدثهن حتى رأى الفجر، وحان انصرافهن، فقال لها: والله إني لمشتاق إلى قبر رسول الله ﷺ والصلاة في مسجده، ولكن والله لا أخلط زيارتكن بشيء، ثم انصرف إلى مكة فقال (٢):
ألمم بزينب إنَّ البينَ قد أَفِدا … قَلَّ الثواءُ لئن كانَ الرَّحِيلُ غَدًا
قَدْ حَلَّفتْ ليلةَ الصورين جاهِدَةً … وما على الحر إلا الصبر مجتهدا
لأُختِها ولأخرى من مناصِفِها … لقد وجدتُ بهِ فوقَ الذي وَجَدَا
لعمرها ما أُرَانِي إن نوى نَزَحَتْ … وهكذا الحبُّ إلا مَيِّتُ كَمَدًا
قال: يا غريض إني أريد أن أخبرك بشيء يتعجل لك نفعه ويبقى ذكره، فهل لك فيه؟ قلت: من ذاك ما أنت أهله؟ قال: إني قد قلت في الليلة التي كنا فيها شعرًا، فامض به إلى النسوة، فانشدهن ذلك وأخبرهن أني قد وجهت بك عامدًا. قال: نعم فحمل الغريض الشعر، ورجع إلى المدينة، فقصد سكينة وقال لها: جعلت فداك سيدتي ومولاتي إن ابا الخطاب أبقاه الله وجهني إليك قاصدًا، قالت: أوليس في خير وسرور وبركة؟ قال: نعم، قالت: وفيم وجهك أبو الخطاب - حفظه الله؟ قال: جعلت فداك إنَّ ابن أبي ربيعة حملني شعرًا، وأمرني أن أنشدك إياه، فقالت: هاته فأنشدها: [من البسيط]
المم بزينب إنَّ البين قد أفدا … قَلَّ الثَّواءُ لئن كانَ الرَّحِيلُ غَدًا
الشعر كله. فقالت: يا ويحه ما كان عليه أن لا يرحل في غد، فوجهت إلى النسوة، فجمعتهن وأنشدتهن الشعر، وقالت للغريض: هل عملت فيه شيئًا؟ قال: قد غنيت ابن أبي ربيعة قالت: فهاته فغناه الغريض، فقالت سكينة: أحسنت والله وأحسن ابن أبي ربيعة ولولا أنك سبقت وغنيته ابن أبي ربيعة لأحسنا جائزتك بأبياته. أعطه لكل ألف درهم، فأخرجت بأبياته أربعة آلاف درهم، فدفعتها إلي، وقالت سكينة: لو زادنا عمر لزدناك.
قال محمد بن سلام: حجت عائشة بنت طلحة بن عبيد الله، فجاءتها الثريا وأخواتها، ونساء أهل مكة القرشيات وغيرهن، وكان الغريض ممن جاء، ودخل النسوة
(١) حول هذا الموضوع انظر: ترجمة رقم ٣ (حنين الحيري) وهوامشها.
(٢) ديوان عمر بن أبي ربيعة ص ٣٨٣.