واندفع ابن سريج يغني ويقول (١): [من الخفيف]
جَدِّدِي الوَصْلَ يا قَرِيبُ وجُودِي … لمُحِبٍّ خَيَالُهُ قَدْ أَلَمَّا
فاندفع الصراخ في الدور بالويل والحرب، واجتمع الناس إلى الأمير يستعفونه من نفيهم فأعفاهم.
قال أبو الفرج: أخبرني عبد الرحمن بن محمد السعدي قال: حضرت شيطا المغنية جارية علي بن جعفر ذات يوم وهي تغني (٢): [من الخفيف]
ليسَ بينَ الرَّحِيلِ والبَينِ إلا … أنْ تَرُدُّوا جَمَالَهُمْ فَتُزَّمَا
فطرب علي بن جعفر وصاح: سبحان الله لا يكون قربه ولا يشدونه ألا يعقلون بشعره ألا تسلمون على جار؟ هذه والله العجلة.
قال إسحاق: بلغني أن سكينة حجت، فدخل إليها ابن سريج والغريض، فقال لها ابن سريج: يا سيدتي إني كنتُ صنعت صوتًا وحسنتُه، وتنوقتُ فيه، وخبأته لك في درج مملوء مسكًا، فنازعنيه هذا الفاسق - يعني العريض - وأردنا أن نتحاكم إليك فيه فأينا قدمتيه تقدم قالت: هاته، فغناها (٣): [من الرجز]
عُوجِي علينا رَبَّةَ الهَوْدَجِ … إِنَّكِ إِنْ لم تفعلي تخرَّجِي
فقالت: هاته أنت يا غريض فغناها إياه، فقالت: لابن سريج: أعده، فأعاده، فقالت: أعده يا غريض، فأعاده، فقالت: ما أشبهكما إلا بالجديين الحار والبارد، لا أدري أيهما أطيب؟
قال إسحاق: ولي قضاء مكة الأوقص المخزومي، فما رأى الناس مثله في عفافه ونبله، فإنه لنائم في جناح إذ مر به سكران يغني: [من الرجز]
عُوجِي علينا ربة الهودج ..
فلم يُجِدْهُ، فقال له: يا هذا شربت حرامًا، وأيقظت نيامًا، وغنيت خطأ؟ خذه عني، فأصلحه له، وانصرف.
قال: خرج ابن أبي عتيق على نُجب له من المدينة قد أوقره من طرقها المأرب وغير ذلك فلقي فتى من بني مخزوم مقيلًا من بعض ضياعه، فقال: يا ابن أخي أتصحبني؟، قال: نعم، قال المخزومي: فمضينا حتى إذا قربنا من مكة جزناها فصرنا إلى قصر فاستأذن ابن أبي عتيق فأذن له فدخلنا فإذا رجل جالس كأنه عجوز ويداه
(١) لعمر بن ربيعة، انظر: ديوانه ٥٠١.
(٢) البيت لعمر بن أبي ربيعة، انظر: ديوانه ٥٠١.
(٣) البيت للعرجي، انظر: ديوانه ١٨٩.