للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مشكورًا هذه السنين، وعكف على الحديث النبوي يسمعه، ويكتب أجزاءه وطباقه، ويجد له تبكره وسباقه، وله حديث لا يمل، وأنس على القلوب لا يدل، وفضل أصبح له خلفًا، وكرم لو وصف به غيره، لكان خزفًا، وله مشاركة في الأدب، ومحاسنه تأتي منه بآيات لا يتقاصر بناؤها، وفقرات ظاهر غناؤها؛ فأما صناعة الغناء، فهو محرز قصباتها، ومستمع مضروباتها، لو عرض الموصلي عليه أصواته، لجودها، أو زلزل، لثبت قدمه ووطدها، أو ابن جامع، لأقر له في المجامع، أو معبد، لاعترف له بأنه المفرط، وهو الجامع، وهو من صدور بغداد، وممن يدخل مع خلة أهلها في الأعداد، وله جملة محاسن تغني معرفتها عن التعداد.

كان الحكيم نور الدين من الحكماء الفضلاء، والأعيان المتميزين في صناعة الكحل، واتصل بالأردو، وخدم البيت الهولاكي والقان والخواتين والأمراء والخواجكية، واتصل بالوزراء، واختلط في صحبتهم، وعُدّ في جملتهم، وحصل الأموال الجمة والملك والعقار، واقتنى ببلاد المغرب والحلة من ذلك ما يتحصل منه الربع الكبير، والمبلغ الجزيل.

واشتغل نظام الدين ولده، وكتب وتأدّب، وأخذ تعليم المنسوب والموسيقى عن السهروردي، وكتب خطًّا حسنًا مليحًا، وتفرد بعمل المشجرات حتى شجر في العلوم على اختلاف أنواعها، وأجاد في الموسيقى وبرز فيه.

وسمعت من صناعته المطربة، ورأيت من تشجيره الفائق ملء العين والأذن، وسر البصر والسمع.

ودنا من السلطان أبي سعيد بهادر قان دنوًا زائدًا، وكان ممن شملته لديه عناية الوزير ملك الوزراء محمد بن خواجا رشيد وتقدّم به، كان لا يزال يحضر مجلسه، ويكون من المقربين إليه، وأهل الحظوة لديه، واستكتبه القان أبو سعيد، وعنه الكتب العربية التي كانت تكتب إلى سلطاننا وإلى السلطان محمد بن طغلقشاه بالهند، وكانت له جملة كبيرة على ذلك مع ما له من المقدمات والإقدارات والرواتب، وكان لا يتلقى المراسيم إلا عن الوزير، ولم يكن كاتبًا مستقرًا للإنشاء إذ لا عادة للقوم بذلك، ولكنه كان في هذا المعنى، ولقد كانت تجيء بخطه الكتب المليحة البليغة بالخط المليح، والألفاظ الفصيحة السهلة التناول القريبة المأخذ على خاطري

<<  <  ج: ص:  >  >>