للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ملونة بالزجاج مشفقة كالقصور والجام قد اقتمت حروفها وأحكم تأليفها، فأخذ حجرًا بده ورماها به فلمها، وحطّ رتبة حسنها، وحَطَّمَها فقال فيه: [من الرجز]

قُلْ للذي ثَلَمَ بُرْكَةً … مَا يَأْخُذُ النَّارَ وَلَوْ هَدَّهَا

فَتَحْتَ في أَسْفَلِهِ ثُغْرَةٌ … لو عاش ذُو القَرْنَين ما سَدَّهَا

قال: ثم تعدى سوط عدا يقال، وتعالى قدره في بلاد ماردين، فخدم في أعمالها، وختم بتصرفه على مالها، وولي نظر دنيسر، وهمى عليه صوب الرزق فأيسر، ونشأ ابناه مسعود ومحمد كتيلة، وتعلّما، وكبرا، وتقدما، إلا أن الحمام أتى على مسعود أولًا، وشبابه شارخ وغناؤه لم يصرخ باسمه صارخ، فبقي الذكر لأخيه مفردًا، كأن لم يكن سواه من أبيه.

قال: وكان مسعود متعلّقًا بحبائل ابن الملك المنصور صاحب ماردين لا يخاف منه الخبر، ولا يسيل دونه السقر، وكان الملك المنصور قد أخذ ابنة الجنك البغدادية الغنية بغتة من بغداد، وأتى بها إلى ماردين، وتركها بها مقيمة وأهلها لا تعرف أرضًا ابتلعتها، أو سماء اقتلعتها، وكان سبب هذا أنَّ الملك المنصور كان رجلًا جسيمًا، وكان نقص عيار الدراهم بماردين حتى حوّل الدراهم مقدار الثلاثين؛ فلما نزل الأرد ببغداد إذ سافر للقاء القان، فلما كان يوم دخوله إلى بغداد، إذ خرج أهلها ليروه، وكانت ابنة الجنك ممن خرجت؛ فلما مرَّ عليها، قالت لبعض من كان عندها: من هو صاحب ماردين في هؤلاء؟، فقيل لها: هذا، وأشاروا إليه، فنظرت إليه وقالت: كل هذا بثلاثين إلا مارديني هو، فدخلت كلمتها في صماخ أذنه، وأذكت عليها نار إحنه، فطلب بعض خاصة قومه وأمره أن يتعرف أمرها حتى عرفها، ثم علا عليها حتى أحضرها إليه ليلًا؛ لتغنيه، فاخطفها، وأركبها الخيل وسبق بها النهار والليل حتى أتى بها ماردين، وقبرها في بعض دورها، وتركها لا تحفل بأمورها، ثم أحضرها ليسمع غناءها فما رآها حتى رابه أمره، وخامر لبه خمره، وتلف بها جَوّى في الجوانح، وهوى صاد شركة الجوارح، ثم طال عليها الاغتراب والحبس المضيق في عش الغراب، وكانت قد أنست إلى مسعود غدا يقال لطول اجتماعها به في مجلس الملك المنصور، وعلقت قلبه فلم يجد سبيلًا إليها إلا بأن حسبن لابن الملك المنصور حبّها، وهوّن عليه قربها، واستغفل الملك المنصور حتى سافر إلى الموصل، وأتى مع ابنه إليها وباتا يحثان كؤوس الراح عليها؛ فلما عاد الملك المنصور أتته عينه الناظرة بما رأت، وحدثته ثقاة خبره بالليلة التي جرت، فأحلّ بمسعود المنحوس الحمام، وأورده مورد الموت الحمام وخافت بنت الجنك، فأمسكت خفيها على يديها، وتدلت من الشاتورة

<<  <  ج: ص:  >  >>