للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

علم الموسيقى، وحفظ كثير [١] من الشعر للقدماء والمحدثين، ونقل الأصوات المشهورة، وحفظ كثيرًا من نوب عبد المؤمن، وانخرط في سلك الندماء وأهل المحاضرات، وملح وندر، وحكى الحكاية والخبر، وخدم ملوك ماردين، واتصل بهم.

وحكي أنه حظي عند الملك الصالح شمس الدين، وراج لديه. وسمع به السلطان الناصر، فاستدعاه، وأقبل عليه غاية الإقبال، وكان له مكانة لم يبلغها أحد من أمثاله، وأمره بملازمة الجواري وتعليمهن، ويلقي عليهن الأصوات، حتى تخرج به غالب الجواري المحسنات، وكان يتردّد إلى باب الستارة في كل يوم، ويخرج إليه الجواري.

وكان مجيدًا في الغناء، متقنًا في سائر الخفيف والثقيل منه، غاية في ضرب الجنك العجمي، وتأليف الأنغام عليه، ولا يكاد يثبت سامعه لشدة الطرب، وكان يقيم بمصر المدة الطويلة، ثم يسأل في العود إلى ماردين فيؤذن له، فلا يكاد يصل إلى ماردين، ويستقر بها إلا وجهز السلطان في طلبه، ويحث في سرعة عوده، فإذا وصل، ضاعف الإكرام، وعومل بأكثر مما يعهد، وحصل بهذا أموالًا جزيلة، ونعمًا كثيرة، والأنزال التي تزيد على عادة مثله. وحضرت مجلس السلطان مرة، وعنده موسى بن مهنا وكلاهما يضرب بالجنك بين يديه فرأيت موسى بن مهنا على سكونه العظيم، ووقاره يميل يمنة ويسرة، وكان كتيلة ذلك اليوم كله يردد صوتًا سمعه، والصوت من المستطيل: [من البسيط]

يا دارَ عَزَّةَ مَنْ للوالِهِ الباكي … بنظرة يتملّى من مُحَيَّاكِ

ما هَبَّ مِنْ أَيْمَنِ الوَادِي نَسِيمُ صَبًا … إلا وكانَ الهَوَى لعُذْوِيُّ يُمْناكِ

تَحَمَّلِي واحْمِلي يا نوقُ واصْطَبري … على المسيرِ فَهَذَا مِنْ سَجَايَاكِ

ولم يبق أحد من غلمان الدار وأعيان الأمراء حتى هزّه الطرب، ولولا مهابة السلطان الرقصوا؛ فلما فرغ مما هو فيه، أثنى السلطان عليه، وقال لموسى بن مهنا: كيف رأيت؟ فقال: والله ظننت أنه يجذبني إليه، ولو لم أملك نفسي، لوقعت عليه. وأمر له السلطان بألف دينار يتجر بها، وكتب له توقيع مسامحة بما يجب عليه فيها من الموجبات الديوانية في السفر دائمًا صادرًا واردًا، ومضى يوم عجيب لم ير مثله.

ودخلتُ على السلطان يومًا آخر، وهو عنده، وقد أخذ في صوت صنعه، والصوت: [من الطويل]

سلام على ليلى وليلى بعيدةٌ … ولكنَّها طَيْفٌ إِلى قَرِيبُ

بديعةُ حُسْنِ ما لها مِنْ مُمَائِلٍ … إِذا طَلَعَتْ شَمْسَ النَّهَارِ تَغِيْبُ

كما أَنَّ قَلْبي في البِلادِ مُتَيَّمٌ … كَذَا حُسْنُ ليلى في الحِسانِ غَرِيبٌ

<<  <  ج: ص:  >  >>