للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

واحْذَرْ مُصاحَبَةَ العَذُولِ فَإِنَّهُ … مُغْرٍ وظاهرُ عَدْلِهِ إِشْفَاقُ

لا يَبْعُدَنْ زَمَنْ مَضَتْ أَيَّامُهُ … وعلى مُتُونِ غُصُونِها أَوْرَاقُ

أَيَّامَ نَرْجِسُنا العُيُونُ وَوَرْدُنا … غَضُّ الخُدُودِ وَخَمْرُنَا الأَرْياقُ

فلئِنْ بَكَتْ عَيْنِي وما شَوْقي إلى … ذاكَ الزَّمانِ فَمِثْلُهُ يُشْتَاقُ

والشعر للشريف البياضي (١).

وحكى لي أبو جعفر بن غانم أنه حضر مجلس صاحب حماة، وهو مخيم ببارين في زمن الربيع، وقد أطلع بدائع النوار وتجلّى بشوائع الأنهار، والروض قد فك عنه حجر الغمام، والنسيم قد مشى في جوانبه مُسبل الأكمام، وأمر بالمغاني فأحضروا فيهم باسر يلوح بكلح، ولبه ذاهب كأنه ما جاء ليغني، وإنما قد قدم الخروف، ووجهه ليذبح، فقال له: ما هذا الذي أراه بك؟ أهذا لمفارقة حماة أم لشيء لدينا تتحاماه؟، أما تنظر إلى فسيح هذا الفضاء، وإلى هذا الجو، وقدّموه بالفضة البيضاء، والخروف مطرق كأنه يرى السكين في يد الذابح والنار تشبُّ في زناد القادح لهوى كان عقده بحماة جديدًا، وفارقه وإن لم يكن النوى رمت به مكانًا بعيدًا، ثم لم يطل به السكوت ولا يتمادى لسانه في اعتقاد الصموت حتى اندفع يغني صوتًا عمله لوقته، ونطق به وخرج من عهدة صمته، وهو: [من الكامل]

قسمًا يأيَّامِ التَّدَانِي ولذَّةِ الـ … وِصَالِ وإنِّي في يميني صادق

ما سرَّ قَلْبِي مُذْ نَأَيْتِ َولا حَلَا … لِي العَيْسُ واللذَّاتُ مِنِّي طالق

وإني أرى هذا الفضاء الذي أرى … فَسِيحًا علينا بعدَكُمْ مُتَضَايِقُ

ما سرَّ قَلبي الرَّوضُ يَزْهُرُ حُسْنُهُ … وأنّى كُفِيتُمْ عاشق ومُفارِقُ

فطرب صاحب حماة حتى مال، وسأله أن يطلعه على حقيقة ما قال: فقص عليه خبره مع سجنه، وما جلبه فراقها عليه من حزنه، وسأله لمن الشعر؟ فقال: والله لا أعرف ولكنه شيء أحفظه؛ فلما عاينت من نكيرك الموت جاء على


(١) الشريف البياضي: مسعود بن عبد العزيز بن المحسن بن الحسن بن عبد الرزاق البياضي، أبو جعفر: شاعر هاشمي من أهل بغداد، مولدًا ووفاةً سنة ٤٦٨ هـ/ ١٠٧٦ م. له «ديوان شعر» صغر، رآه ابن خلكان وقال: هو في غاية الحسن والرقة وليس فيه من المدائح إلا اليسير.
والبياضي نسبة إلى لبس البياض.
ترجمته في: روض المناظر، بهامش الكامل ١٢/ ٢٩، والوفيات لابن خلكان ٢/ ٩٢ وفيه، بعد أن سماه «مسعود بن عبد العزيز» الإعلام - خ. «مسعود بن المحسن». الوافي بالوفيات ٢٥/ ٥٠١ - ٥٠٦ رقم ٣١٦ الأعلام ٧/ ٢١٨، معجم الشعراء للجبوري ٥/ ٣٧٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>